الرئيسية / اخبار مصرية / أبانا الذى فى البرلمان !

أبانا الذى فى البرلمان !

كتب : أحمد بهاء الدين شعبان

 

احترت واحتار دليلى، فى محاولة البحث عن سبب واحد وجيه، أو حُجة منطقية يتيمة، تفسر، أو تبرر، مافعله السادة المتحكمون فى توجيه وتحريك دفة “البرلمان الموقّر”، أو “سيد قراره”، لا فرق، أو توضح للشعب (الغلبان)، من “المواطنين الصالحين” أمثالنا، ما سبب كل هذه “الهرتلة” المجانية، التى تستنفذ الجهود، وتحرق الأعصاب، وتلقى بالجميع فوق صفيح ساخن، لا لغاية إيجابية واضحة، أو مصلحة وطنية متحققة!.
شبه دولة .. شبه ديمقراطية !
فالمؤكد أن المعارك المجانية البائسة، واليائسة، التى يغرق، ويُغرقنا فى لُجَّهَا “برلمان ما بعد الثورتين”، ستكلفه، وتكلف النظام، وتكلف الشعب، وتكلف مصر- وهى الأهم – الكثير، خَصماً من رصيد الحكم والوطن والدولة، وتظهرهم، وتظهرنا جميعاً، دون استثناء واحد، فى صورة مأساوية عبثية، عنوانها أننا بالفعل أمام وضع نبدو فيه غير قادرين على التعلُّم، أو أننا نركب عربة مثقوبة الدولايب لا تستطيع أن تتقدم، وأن مابيننا وبين “الديمقراطية” الحقّة بونٌ شاسع، وأن مانملكه، وندَّعيه، لايعدو التشدُّق بـديكورات “الديمقراطية” لا “التشعلق” فى حبل الخلاص: جوهرها، وأننا نكتفى بمضغ مفرداتها مثل “اللبانة”، دون أن نكون جادين، حقاً، فى الولوج من بواباتها، والتحرك لامتلاك مفاتيحها، أوالعبور بممارستها النشطة، إلى عوالمها الرحبة، وآفاقها الفسيحة، وبراحها الممتد!.
وهذا الوضع يستدعى ماسبق وسمعناه على لسان الرئيس “عبد الفتاح السيسى”، حينما وصف مصر الموروثة من عهد “مبارك”، باعتبارها: “شبه دولة”، وإذا كانت “شبه الدولة” لا تستطيع التحول إلى “دولة كاملة” إلا بالحرية والعدل، والقانون والمواطنة، واحترام إرادة الشعب، والزود عن مصالحه، والفصل بين السلطات، والعلم والعلمانية، فما أبعدنا عن هذا الحلم الذى تصورناه “قاب قوسين او أدنى”، فإذا به بعيد المنال، عزيز المطال !.
القنّاصة مستعدون !
وما حدث خلال الأيام القليلة الماضية، يُثبت بالفعل أننا لم نقطع إلا خطوات محدودة للغاية فى هذا الاتجاه، وأننا مُطالبون بالكثير من العمل الذى لا نُجيده، والقليل من اللغط من ذلك النوع الذى نبرع فيه، ونشهده الآن، والذى تسبب فى حدوثه إجراءات أقل مايقال بشأنها أنها غير مدروسة جانبها الصواب، حتى لا نقول أنها إجراءات هزلية أو حمقاء، فنقع فى المحظور، ونصبح فى مرمى “قنّاصة” المجلس، المتأهبون دائماً، والذين يرون أن مهمتهم الوحيدة هى “التقويص” على كل من يوجه انتقاداً لمقامهم الرفيع، أو يعترض على كلمة صادرة عن أحد من كهنتهم المقدسين!.
طظ فى الدستور !
وفى هذا السياق، لم يُقم هؤلاء السادة أى اعتبار لدستور البلاد، الذى يُفترض فيهم أن يكونوا حُماته، والساهرون على تطبيقه، ولم يتورعوا عن الضرب به عرض الحائط !.
فعلى الرغم من أنه ينص فى مادته (112) على أن “عضو المجلس لا يُسأل عما يُبديه من آراء تتعلق بأداء أعماله فى المجلس أو فى لجانه”، فقد كان من نصيب العضو “محمد أنور السادات” الفصل فى لمح البصر، لمجرد أنه تجرأ وطرح تساؤلات مشروعة فى المجلس، حول صحة المعلومات عن قضية أثارت استهجان الرأى العام، الذى يئن تحت وطأة الغلاء الفاحش، والفقر المدقع، فإذا به يُصدم بشراء برلمانه الموقر لثلاث سيارات مُحَصَّنة فارهة، تليق بقادته المبجلين، وبمبلغ بسيط لا يتجاوز الثمانية عشر مليون جنيه لا غير، وهو ما استحق الغضب واستوجب المحاكمة والإسراع بالعقاب، وإن كان ذلك تحت “ممسوكات” أخرى على العضو السابق “السادات”، حتى لا يبدو الربط بين “قضية السيارات” وعقوبة “الفصل”، أمراً شائناً وفعلاً مفضوحاً..!.
و.. طظ فى حرية الرأى والتعبير!
ومرة أخرى يتم دهس الدستور بالحذاء، فى انتهاك صريح للضمانات الملزمة التى تضمنها، من أجل تحقيق الحريات الشخصية والعامة، وكفالة ممارسة الجميع لها، مادمت لا تَحُض على العنف، ولا تُحَرِّض على الإضرار بالسلم العام!.
فالمادة (65) تنص على أن: “حرية الفكر والرأى مكفولة، ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو بالكتابة، أو بالتصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر”، والمادة (70) تنص على أن: “حرية الصحافة والطباعة والنشر الورقى والمرئى والمسموع والإليكترونى مكفولة، ومع هذا لم يتورع كهنة وقنّاصة البرلمان عن الانقضاض على الصحفى والإعلامى البارز، “إبراهيم عيسى”!.
فبعد أن تم ممارسة كل أشكال الضغط على الفضائية التى كانت تقدم برنامجه التلفزيونى اليومى، حتى تم وقفه، انتقلوا إلى التحرض عليه وعلى الجريدة الشجاعة التى يرأس تحريرها، جريدة (المقال) اليومية، نكايةً به، وضيقاً بمضمونها الانتقادى للمفاهيم الجامدة والرجعية والعشوائية، التى يُدار بها العديد من أمور المجتمع، وانطلقت قذائف الجلس “الموقر” باتجاههما: الصحفى والجريدة، بسبب ماكتبه بأحد أعدادها، واصفاً البرلمان بـ “الكرتونى”، وأن أعداداً من نوابه جاءوا إليه “عبر الأجهزة الأمنية وتدخلات الأمن”!.
وكالعادة، سرعان ماتداعت أغلبية “الموافقة” المعروفة بالمجلس، بعد أن أُطلق النفير العام، لشن الحرب على “عيسى”، حيث أعلن رئيس المجلس أن “عيسى دأب على الهجوم على البرلمان خلال الفترة الماضية دون أسباب (!)، إلى جانب وصفه للبرلمان بألفاظ لا يقبلها النواب، ولا الرأى العام الذى انتخبهم بشكل حُرٍ ونزيه”!.
لقد اعتبر رئيس المجلس أن مناقشة أداء البرلمان، وهو واحد من أهم واجبات الصحافة الحديثة فى العالم كله، جُرماً يستحق المساءلة، ويستوجب أشد العقاب، كما لو كان سلوك أعضاء البرلمان، ومواقفهم، وسياساتهم، وأساليب مقارباتهم لمشكلات الدولة والمجتمع، أموراً مقدسةً، محظورٌ الاقتراب منها، أو البحث فى أمرها، أو التساؤل بشأن تفاصيلها!.
أما الوصف الذى لم يعجب السيد رئيس البرلمان، وفحواه: “أن المجلس “كرتونى، وجاء نوابه عبر الأجهزة الأمنية وتدخلات الأمن”، والذى كان يمكن الرد عليه، وتفنيده، ببيان، أو مقال، أو برنامج تلفزيونى، لمحاصرة تأثيره السلبى المفترض، لو كان عارياً عن الصحة من وجهة نظر البرلمان، فقد شاع وتناقلته وكالات الأنباء العالمية، وعلم به الملايين، وأصبح على كل لسان، فى الشرق والغرب، بعد أن كان مقصوراً على جريدة محدودة الانتشار، لا يقرأها إلا بضعة آلاف من المثقفين “الأراذل” على حد الوصف الساداتى الشهير، والطريف أن عضو البرلمان المبجل، “مرتضى منصور” لم يتورع عن استخدام قاموس ألفاظه “المهذبة”، و”المؤدبة” المعهودة، مُعلناً أن انتقادات “عيسى” لا تعدو أن تكون: “قلة أدب تستوجب المحاسبة، .. ومن لم يحترم نفسه لن يُضرب إلا بالحذاء”، دون أن يشعر أحد من هؤلاء بأى تأنيب ضمير، تجاه الاستخدام “الحكيم” لهذا الأوصاف “المحترمة”، “الرفيعة”!.
ولعل رئيس المجلس لا يعلم شيئاً عن انتقادات الصحف فى أغلب بلدان العالم، لا لبرلماناتها وحسب، وإنما حتى لرؤساء الدول ذاتهم، كما حدث، ويحدث، بالنسبة للرئيس الأمريكى “دونالد ترامب”، الذى يجرى التشهير به، والتهجُّم على تاريخه، ورفض سياساته، فى آلاف الصجف والفضائيات، وعلى شبكة التواصل الاجتماعى، آناء الليل وأطراف النهار، دون أن يتذمّر أو أن يعتبر أن واجبه الأول هو الانتفاض ثأراً لشرفه المجروح، وانتقاناً من خصومه المناكيد!.
.. وطظ فى “السلطة الرابعة” كمان !
أما “ثالثة الأثافى” كما يقولون، فقد كان هجوم رئيس البرلمان، على صحيفة “الأهرام”، التى تُمثل أهم أعمدة الصحافة المصرية، والعربية، وواحدة من أهم الصحف العالمية دون منازع!.
فرغم أن المادة (71) من الدستور، تؤكد على أنه: “يُحظر بأى وجه فرض رقابة على الصحف ووسائل الإعلام المصرية، أو مصادرتها، أو إغلاقها، ويجوز استثناءً فرض رقابة محددة عليها فى زمن الحرب أو التعبئة العامة”، وأنه: “لا توقّع عقوبة سالبة للحرية فى الجرائم التى تُرتكب بطريق النشر والعلانية”، وأن الدولة، بنص المادة (72) ملزمة بـ “ضمان استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لها، وبما يكفل حيادها وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية، ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص فى مخاطبة الرأى العام”.
رغم ذلك كله، وبدون مقدمات، وعلى طريقة الهجوم الحربى المباغت، حتى يؤخذ العدو على حين غرة، انطلقت فرقة القنّاصة المدربة، ووجهتها هذه المرة المؤسسة الصحفية (الرسمية)، العريقة، وكوادرها الصحفية المؤهلة، ورئيس مجلس إدارتها، ورئيس تحرير جريدتها، بعد أن أعلن رئيس المجلس أن “صحيفة”: “إحنا اللى بنصرف عليها، وهى “الأهرام”، وندفع لها من أموال الدولة، ولا تحقق عائد، رغم مالديها من شركات ومطابع، ولكنها للأسف أبتليت لاتُدير وفقاً للمعايير الاقتصادية وشوَّهت الحقيقة”!.
وكان واضحاً رد كل من رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام، “أحمد السيد النجّار”، الذى كتب على صفحته فى “الفيس بوك”: “لا أنزلق عادةً إلى الرد على “مهاترات الصغار”، فليس أمامى سوى الرد، وبشكل رسمى، فما عاد فى قوس الصبر من منزع”!، وكذلك رد رئيس تحرير “الأهرام”، “محمد عبد الهادى علّام”: الذى طرح قضية “مفهوم العلاقة، الغائم والمرتبك، بين الصحافة وسلطات الدولة، لدى بعض المسئولين فى الدولة. فهناك من يرى دور الصحف القومية تابعاً ومأموراً ممن يملك السلطة، سواء كانت تنفيذية أو تشريعية، ويغيب عن أذهانهم أن الصحافة مملوكة للشعب المصرى، وليست تلك الملكية العامة التى تضعها تحت رحمة ىسلطة”.
اللعب فى الوقت الضائع !
وبعد، ألا يلفت النظر أن كل هذه القنابل الصوتية الخائبة، التى تعكس عداءاً مُفرِطاً للفكر والنقد، وللرقابة الشعبية والمتابعة، وضيقاً لامحل لإخفائه، من أى رأى يخالف رأى سدنة البرلمان، الذين يتصرفون باعتبارهم مالكين خصوصيين للبلد، يصرفون، (من جيوبهم!)، على مؤسسات الرأى والتنوير الكبرى فيها، ومطلوب منها التبعية المُهينة، والسير المُطيع فى مواكب التطبيل، و”الهيصة” فى الزفّة، إنما جاءت جميعها فى عز انشغال المجتمع بقضايا بالغة الخطورة، يبدو أنها تهم الجميع: دولة ومواطنين، باستثناء أعضاء الأغلبية فى المجلس الموقر، الذين لم يسمعوا بقضية قتل وحرق وتهجير أبناء الوطن الأقباط من العريش، ولا سمعوا بصرخات الناس من بؤس الأحوال، واستفحال الفساد، وتردى مستوى الخدمات، ولا توحش الغلاء الذى راح ينشب أظفاره فى حياة عشرات الملايين من المصريين، وغيرها من القضايا التى تشغل بال الناس، إلا من جلس فى الأبراج العاجية، يفتعل المعارك، ويحارب الأشباح، ويلعب بنا وبالبلاد فى الوقت الضائع!.
.. صح النوم يابرلمان الهنا !.

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

حملة مع السيسي للحصاد 2018

جارٍ التحميل نموذج دعم حملة مع السيسي للحصاد 2018 …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *