الرئيسية / ارشيف الطليعة / إشكالية المعنى (المباشرة والبناء الفني): قراءة في قانون صاحبة العطر لفرحات جنيدي

إشكالية المعنى (المباشرة والبناء الفني): قراءة في قانون صاحبة العطر لفرحات جنيدي

77777777777777

بقلم / د. عصام محمود
الوظيفة الجمالية /الفنية هي الوظيفة الرئيسة للفن ؛ فليس من وظيفة الفن أن يقدم فكرة أو معلومة أو يؤرخ لحادث ما، كذلك ليس من وظيفته أن يمدح أو يهجو، لكن وظيفته جمالية فنية تظهر في التشكيل الفني الجمالي ، قد تتداخل بعض الأمور غير الفنية مثل التاريخ أو الجانب الاجتماعي أو السياسة مع وظيفة الفن الأساسية هذه، لكن يجب ألا ينسى الفنان وظيفته الجمالية الأساسية في خضم طرحه للقضايا التي تعن له، وعندما ينساها ويتحول إلى النصح أو الإرشاد أوالتربية أو التعليم أو التأريخ أو غير ذلك يصبح مباشرا ويصير ما يقدمه شيئا آخر لكنه ليس فنًا.. وقد يفعل الفنان ذلك رغبة في إطلاق صرخة مدوية مع التأكيد على أنه يفعل هذا بصورة جمالية فنية وهنا تنتفي المباشرة.
تعد مجموعة (قانون صاحبة العطر) للقاص فرحات جنيدي ملحمة قصصية فنية ذات طبيعة خاصة؛ ذلك أن النظرة الشكلانية لهذه المجموعة تحتاج منا للتريث قليلا عندها ؛ فعدد القصص في هذه المجموعة 27 قصة، في حوالي 100 صفحة فمتوسط الصفحات 3 صفحات لكل قصة، وهذا يدفعنا إلى التوقف عند هذا المزيج القصصي الذي صنعه فرحات في مجموعته القصصية .. فلاشك أن الأمر يخرج من حيز المفهوم التقليدي للقصة القصيرة إلى عمق الأقصوصة أو القصة الومضة، وهي نقلة فنية كبيرة للتباين الجلي بينهما . لقد تعمد فرحات إحداث هذا المزيج بصورة جلية من خلال إدخال سبع أقاصيص في صورة ومضات لا تتجاوز الواحدة منها ثلاثة سطور على الأكثر؛ وهي:(شقاوة- متصابي- رومانسية- متكبرة- مقامرة- مناضل- عريس) كان يُدْخِلُها وسط القصص القصيرة فتكون بمثابة الفاصل بين القصص القصيرة مثلا يقول في مُقَامِرة (ترك سيارته، نظف شقته، أفرغ جيوبه، تركته وتعلقت بغيره، أكملت اللعب) إحدى عشرة كلمة هي كلمات هذه الأقصوصة التي يعبر فيها عن أزمة العلاقة بين الرجل والمرأة، ولعلها القصة الوحيدة التي ينتصر فيها للرجل على حساب المرأة، وإن أوجد لها مخرجًا من خلال لعبها، تلك الطفولة اللذيذة في الكائنة في نفس المرأة جعلتها لا تشعر بتضحيات الرجل من أجلها .
تقابلها أقصوصة “عريس” التي يقول فيها “طرق بابها . فتحت وأخفضت رأسها في دلال فسحرته رموشها .دق قلبه كالعذراء في ليلة عرسها فتمم عقد الزواج”.تسعة عشر كلمة هي كلمات هذه الأقصوصة شديدة التكثيف.ذلك التكثيف الشديد والاختزال يجعلنا بإزاء نزعة فلسفية عميقة تؤمن بالمقولة الشهيرة( كلما ضافت العبارة اتسعت الفكرة).
تعد مجموعة (قانون صاحبة العطر) للقاص فرحات جنيدي صرخة في وجه السلطوية القهرية المجتمعية بصفة عامة والذكورية بصفة خاصة.فينتهج فرحات في مجموعته اتجاها اجتماعيا واقعيا واضحًا فيناقش قضايا المجتمع التي تقع بين الواقع المرئي والواقع الفني، ووظيفة الكاتب هنا هي توظيف قلمه في فن القصة وتجاوز الواقع الفعلي إلى الواقع الاجتماعي فتتميز القصص عنده بالواقعية ويستلهم الكاتب قصته من واقع الحياة لتصوير الحياة كما هي ، كما شاهدنا عند نجيب محفوظ في “اللص والكلاب” و”القاهرة 30″ ،والكاتب علاء الأسواني في “عمارة يعقوبيان” وغيرها من الروايات.فليس من وظيفة كاتب القصة أن يحكي لنا الواقع كما هو وإلا تحولت من قصة إلى حكاية، وقد يستعين الكاتب بالرمز في الزمن والشخصيات، أو يقوم باستلهام شخصية أو حدث من التاريخ في قصته، ويسقط عليها رؤاه وأفكاره فلا تبدو عنده المباشرة في طرح القضايا..
يبدو تمكن فرحات من أدواته واضحا في هذه المجموعة ذلك أن القصة القصيرة عنده غالبا وحيدة الشخصية أو عدة شخصيات متقاربة، ومن ثم يغلب على الشخصية الاعتياد والطبيعية؛ فهم أناس مجهولون أو مغمورون، ونادرا ما يكونون من الأبطال؛ لأنهم ينبتون من أرض الواقع، ويجمعهم مكان وزمان واحد، والعنصر الرابط فيها هو الحدث، فالحدث هو المحرك لها، ومن ثم فلابد أن يتمتع بالقوة المميزة له عن الرواية التي يسير فيها الحدث متنوعا بين القوة والانسيابية، وتحوي كثير من القصص القصيرة قدرًا كبيرًا من السخرية والنقد اللاذع، كما أنها قد تحوي لمحات إنسانية عالية بهدف امتلاك التأثير المطلوب.
تتضمن قصصه عادة حدثًا واحدًا، وشخصيات قليلة، فهو يركز اهتمامه نحو موقف معين أو حدث واحد ، أو يدور حول شخصية واحدة في موقف واحد، فالقصة القصيرة تمثل لحظة واحدة من الحياة، يقف عليها الكاتب، ويقوم بتركيز الضوء عليها، وهي فن الوحدة الفنية في كل شيء، وحدة الحدث واللحظة والزمن والمكان.
تشغل قضايا المرأة حيزًا كببرًا في فكره فسيطرت على إبداعه في هذه المجموعة.. بما يمكننا معه القول بأن فرحات يظهر بقوة على الساحة نصيرا للمراة .. تلك المجموعة التي يبرز فيها اتساع مفهوم الاغتصاب ليتجاوز الجسد منطلقا إلى الاغتصاب الفكري والمستقبلي اعتمادًا على قوانين عتيقة أصدرها الذكر ليهدر حقوق الإنسان .. إن فرحات في هذه المجموعة القصصية يقف على عتبات خطيرة يلج من خلالها ليناقش وضعية المرأة المصرية في ظل الواقع المتجاوز لكل الإعراف الإنسانية .. فقد تجاوز العالم مفهوم وراثة المرأة وتحولها من إنسان إلى متاع يورَّث وتصبح مهمة وجوده في الحياة تحقيق رغبات الرجل.. وتحمل نتائج شهواته ورغباته .. وهذا المستنقع مازال وجودًا في الفكر المصري ..وهذا ما يشير إليه بقوة فرحات.
إن النسوية المسيطرة على القصص تبرز جلية في عدة مواضع أولها صفحة الافتتاح التي يبدا بها قصصه فيقول: (أعرف ما قدمته للمرأة من حب تعرف ما في قلبك من إنسانية )فهو هنا يقرن الحب بالفعل والعطاء لا مجرد المكنون النفسي للحب في داخل الرجل
ثانيا ذلك الإهداء الذي يوجهه للأم تلك المرأة الأولى في حياة الإنسان
ثالثًا: عناوين القصص و الموضوعات التي تجلت فيها صورة المراة واضحة وهي (ابتسمت – قرار امرأة- قانون صاحبة العطر- متكبرة- مُقَامِرة- ورد الخال)
إن اختيار فرحات لقصته (قانون صاحبة العطر) مَعْلَمًا رئيسًا دالا من خلال جعلها عنوان المجموعة كلها لهو تأكيد واضح لسيطرة النسوية على جو المجموعة معبرة عن مكنون النفس عند فرحات جنيدي، فهو منحاز للمرأة منذ لحظته الأولى في هذه المجموعة.
وإذا تجاوزنا القصة المحورية التي تدور حولها المجموعة طارحة للمجتمع بصورة جلية مباشرة قضية من أخطر القضايا وهي أزمة المرأة المطلقة التي لا تستطيع أن تنال حقها في هذا المجتمع الذكوري نجد أنفسنا أمام قضية إنسانية فقهية تبدو فيها الأزمة جلية وهي وفاة شخص مسلم وابنه مسيحي وينتظرهذا الابن خارج المسجد فيقترب البطل في القصة منه مطمئنًا إياه بكلمة(يرث) وهذه الكلمة مواساة لأن المانع [ اختلاف الدين ] مانعٌ من الجانبين ، أي لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم كما نص عليه الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أُسامة بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [لا يرث المسلم الكافر ولا يرث الكافر المسلم] ولما رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [لا يتوارث أهل ملتين شتى ] صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود . وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء ، وهو الصحيح ، وذهب معاذ بن جبل ومعاوية بن أبي سفيان وابن المسيب ومسروق والنخعي والحسن ومحمد بن الحنفية ومحمد بن علي بن الحسين إلى أن المسلم يرث الكافر ولا عكس ، كما يتزوج المسلم الكافرة ولا يتزوج الكافر المسلمة .
كذلك ذهب الجمهور على أنه إذا كان ورثة المتوفى المسلم كفاراً لحظة وفاته فلا يرثون منه ولو أسلموا قبل القسمة ، لعموم الحديث حيث إن المواريث قد وجبت لأهلها بموت المورث ، وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وأكثر الصحابة ، وذهب الإمام أحمد إلى أنه إن أسلم الكافر قبل قسمة التركة ورث لأن في توريثه ترغيبا له في الإسلام.
وهذه القضية واضحة وما كنت أحب أن يقع فرحات في هذا الخطأ الفقهي فإن صاحب القضية كان يعرف الحكم الشرعي هذه الحقيقة وإنما جاء كلام الراوي لطمئنته على غير الحقيقة حتى مع وجودعلامةالاستفهام يرث؟ فوضع علامة الاستفهام كان يلزمه وضع علامة أخرى لتصبح(؟!) دلالة الاستنكار والرفض لمن شغل نفسه بهذه القضية تاركا الجنازة .
تبدو نزعة التفاؤل سمة مسيطرة على فكر جنيدي وعقله ، ومن ثم تنعكس قصص فتغلب على عناوينه هذه السمة (وابتسمت- ابتسم – الموت مبتسمًا) وكذلك في داخل الققص فتأتي نهاياته متماشية مع رغبات النفس البشرية حتى النهاية المأسوية في قصته الرئيسة حيث قتلت البطلة طليقها يبدو فيها التشفي من الرجل الظالم خاصة والمجتمع المساعد له عامة. .
يمزج فرحات جنيدي في قصصه بين مجموعة من التقنيات الفنية المختلفة فمثلا ينوع بين تقنية الراوي بضمير المتكلم (قانون صاحبة العطر- النظرة الأخيرة) الذي يمثل إشكالية كبيرة عند المتلقي “وينصب الشك على الضمير أنا أهو الكاتب، أم القارئ؟ويفرض القص بضمير المتكلم أن يكون الكاتب حاضرًا كل الحضور، حتى لو لم يلتبس الراوي بالكاتب، ويتجلى ذلك الحضور أولا، في فعل الكتابة- لنحاول الكتابة بضمير المتكلم، وسندرك على الفور ما ينبغي نزعه من هذه الأنا لنتأكد أنه صار متخيلا بإتقان- ونجده من بعيد في فعل القراءة”.
ومرة ثانية يلاعب فرحات جنيدي القارئ باستخدام ضمير القارئ الغائب كما فعل في” وابتسمت “”وعيون لا تكذب ” ذلك أن “الراوي بضمير الغائب يستفيد من مزية الشك، يخفي- وبسوء أحيانًا- صوت الكاتب” فتواري الكاتب خلف ضمير الغائب يمنحه مرونة وحرية في بنية النص القصصي لا تكون متوفرة بالقدر ذاته في تقنية الراوي بضمير المتكلم.

د. عصام محمود
أستاذ النقدالأدبي المساعد
كلية الاداب جامعة حلوان

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

وزير التعليم يؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية بأسس جديدة

وزير التعليم  يؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية بأسس جديدة       كتبت ناريمان حسن …