الرئيسية / ارشيف الطليعة / خطبة الجمعة : استقبال رمضان بالتوبة والعمل الصالح

خطبة الجمعة : استقبال رمضان بالتوبة والعمل الصالح

خطبة الجمعة 1

يلقيها فضيلة الشيخ/ عبد الناصر بليح

الحمد لله رب العالمين .. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك ولك الحمد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ..

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في سلطانه ولي الصالحين أجزل الخير للطائعين الصائمين التائبين ..”يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة )” الترمذي (.

وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها محمد صلي الله عليه وسلم قال وما ينطق عن الهوي :” من لَزِم الاستغفار جعل اللهُ له من كلّ ضيقٍ مخرجاً ، ومن كلّ همّ فرجاً ، ورزقه من حيث لا يحتسب”(أحمد وابن ماجه).اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك وسلم تسليماً كثيراً ..

أما بعد فيا جماعة  الإسلام :”

يقول المولى سبحانه: “يأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً”. ويقول جل في علاه: “وَتُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”(النور:31). ويقول سبحانه: “نَبّئْ عِبَادِى أَنّى أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ”

(الحجر/49-50). ويقول أيضاً رب العزة والجلال في حديث قدسي: “يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم”(مسلم).

إخوة الإيمان والإسلام  :

نستقبل بعد أيام قلائل  ضيفاً كريماً، وشهراً عظيماً، لم يبق بيننا وبينه إلا أيام  معدودة، فماذا أعددنا لهذا الضيف؟ وكيف سنستقبل هذا الشهر العظيم؟ “شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِى أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ” (البقرة/185).

فرض الله عليْنا صيام نهاره وسن لنا رسول الله قيام ليله ، فرَضه الله لرفعة درجاتِنا، وتكفير سيئاتنا، فلنستشْعِر التَّعبُّد لله بالصِّيام، ولنحتسبِ الأجْرَ عند الله فيما يُصيبُنا من عطشٍ وجوعٍ، ولا نتثاقل شهر رمضان ونراه عبئًا نتمنَّى رحيلَه؛ فعن أبي هُريرة قال: قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -:”مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه”( البخاري(.فهو شهر التوبة والمغفرة..

أخوة الإيمان والإسلام :

نستقبل شهر رمضان بتوبة صادقة خالصة نصوحٍ، نقلع فيها عن كل معصية، ونندم على ما مضى من أعمارنا في معصية الله، ونعاهد الله ألا نعود لمعصية. فالتوبة واجبة من كل ذنب، فإن كانت المعصية بين العبد وربّه ولا تتعلق بحق آدمي فلها ثلاثة شروط: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة إلى الذنب أبداً، وإن كانت المعصية تتعلق بحق آدمي فيضاف شرط رابع لهذه الشروط الثلاثة وهو أن يبرأ من حق صاحبها،وهي رد المظالم إلي أهلها , فإن كانت مالاً رده إليه، وإن كانت غيبة استحله منها ونحو ذلك.

يا نفـس توبي قبـل أن لا تستطيعي أن تتوبي

واستغفري لذنوبــــــك الرحمن غفــار الذنـوب

إن المنايا كالرياح عليــــك دائمــة الهبــــــوب

أخوة الإيمان والإسلام :” كلنا ذوو خطأ، وكلنا ذاك المذنب، والخطأ من طبيعة البشروالمعصوم من عصمه الله سبحانه وتعالى، والكمال لصاحب الكمال سبحانه وتعالى، و”كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون”( صحيح). .

وعن  أبي هريرة رضي الله عنه  عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال :”والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لأتى الله بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله له”.فلا بد من الخطأ والتقصير، فكلنا ذو خطأ، وكلنا ذاك المذنب”(مسلم).

لا يوجد علي وجه الأرض من لا يخطيء فكل ابن آدم خطأ والخطأ مركب فينا والاعتراف بالحق فضيلة وإن كان عندي نصف فضيلة لأنه ليس هناك معني أن أعترف بالخطأ واتمادي فيه ولكن اعترف بالخطأ واقلع عنه تلك هي الفضيلة .. وأن أجلس مع نفسي الأمارة بالسوء و أقول لها :

 

 يا نفس توبي فإن الموت قد حانـا***واعصي الهوى فالهوى مازال فتانا

أما ترين المنــايا كيف تلقـطنا *** لقـطا ً وتلحـق أخرانا بأولانـا

في كل يوم لنـا ميت نشــيعه *** نـرى بمصـرعه آثـار موتـانا

يا نفـس مالي وللأمـوال أتركها *** خلفي وأخـرج من دنياي عريانا

أبعد سنين قـد قضيتها لعبــا *** قد آن تقتصـري قـد آن قد آنا

ما بالنـا نتعامى عن مصــائرنا *** ننسـى بغـفلتنا من ليس ينسانا

نزداد حرصـا وهذا الدهر يزجرنا *** كان زاجرنا بالحـرص أغرانـا

أين الملوك وأبنــاء الملوك ومن *** كانت تخـر له الأذقـان إذعانـا

صاحت بهم حادثات الدهر فانقلبوا *** مستبدلـين من الأوطان أوطانا

خلوا مدائـن كان العز مفرشـها *** واستفرشـوا حفرا غبرا وقيعانا

ياراكضا في ميـادين الهوى مرحا *** ورافلا في ثيـاب الغي نشـوانا

مضى الزمان وولى العمر في لعب *** يكفيك ما قد مضى قد كانا ما كانا

 

أخوة الإيمان والإسلام :” لكن المصيبة   أن نبقى على الخطأ، وأن ندوم على الذنب، وأن نصر على المعصية التي هي والله شؤم، وهي والله وحشة وعذاب من الله الواحد الديان.

تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها         من الحرام ويبقى الإثم والعار

تبقى عواقب سوء من مغبتها         لا خير في لذة من بعدها النار

والمعصية قد تكون سبباً في أن يحبس الله سبحانه وتعالى عن الأمة الخير، ولو كانت من فرد واحد من الأمة لم يؤمر ولم ينه نسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يحرمنا خير ما عنده بشر ما عندنا.ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة ..

ها هم بنو إسرائيل يلحق بهم قحط شديد على عهد موسى عليه السلام، فيجتمعون إلى نبي الله موسى عليه السلام فيقولون: يا نبي الله ادع لنا ربك أن يغيثنا الغيث، فقام معهم وقد خرجوا إلى الصحراء وعددهم سبعون ألفاً أو يزيدون، فقال موسى عليه السلام: إلهنا اسقنا غيثك، وانشر علينا رحمتك، وارحمنا بالأطفال الرضع، والبهائم الرتع، والشيوخ الركع. فما زادت السماء إلا تقشعاً، والشمس إلا حرارة، فتعجب نبي الله موسى من ذلك وسأل الله عن ذلك، فأوحى الله إليه أن فيكم عبداً يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة، فناد في الناس حتى يخرج من بين أظهركم.

فقال موسى: إلهي وسيدي، أنا عبد ضعيف وصوتي ضعيف، فأين يصل صوتي فأوحى الله إلى موسى أن منك النداء ومنا البلاغ، فقام نبي الله موسى عليه السلام منادياً في الناس قائلاً: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله بالمعاصي منذ أربعين سنة اخرج من بين أظهرنا، منك ومن ذنوبك منعنا القطر من السماء، فقام العبد العاصي ونظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحداً خرج فعلم أنه المقصود، فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منعوا القطر من السماء بشؤمي وشوم ذنبي ومعصيتي، فما كان من هذا العبد العاصي إلا أن أدخل رأسه في ثيابه نادماً ومتأسفاً على فعاله ثم قال: يا إلهي ويا سيدي، عصيتك أربعين سنة وأمهلتني، وقد أتيتك طائعاً تائباً نادماً فاقبلني ولا تفضحني يا كريم، فما أكمل كلامه حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأمثال القرب حتى ارتوت الأرض وسالت الأودية، فقال موسى عليه السلام: إلهي وسيدي، سقيتنا ولم يخرج من بين أظهرنا أحد، فقال الله: يا موسى أسقيتكم بالذي به منعتكم، فقال موسى: إلهي أرني هذا العبد الطائع التائب، فقال الله: يا موسى لم أفضحه وهو يعصيني أأفضحه وهو يطيعني؟!!

فلا إله إلا الله ما أعظم شأن التوبة، ولا إله إلا الله ما أعظم رحمة الله بعباده، وحلمه سبحانه وتعالى.

فيا أيها المذنب وكلنا ذاك المذنب، ويا من زل وأخطأ وأذنب، ويا من بارز الله بالمعصية وبكره الله، تب إلى الله وعد إلى رحابه قبل أن تفضح في يوم الفضائح، وتندم حين لا ينفع الندم “يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ” (الشعراء/88-89).

من أعظم الأمور المعينة على التوبة – يا عباد الله – أن يستحضر العبد سعة رحمة الله سبحانه وتعالى فهو القائل:”قُلْ يا عِبَادِىَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى  أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ” [الزمر/53].

وهو القائل جل في علاه في حديث قدسي:”يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً لآتيتك بقرابها مغفرة”(الترمذي).

وهو القائل سبحانه وتعالى: “وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَي مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ”(آل عمران/135).

وفي الصحيحين :”أن رجلاً أسرف على نفسه في الخطايا فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: إذا أنا مت فاجمعوا لي حطباً ثم احرقوني بالنار ثم اسحقوني وذروني مع الريح، فلما توفي هذا الرجل وفعل أولاده بوصيته قال له الله: يا عبدي، ما الذي حملك على ما فعلت؟ قال: يا رب، خفتك وخشيت ذنوبي، فقال الله: يا ملائكتي، أشهدكم أني قد غفرت له وأدخلته الجنة”(متفق عليه).

وفي صحيح البخاري أن سبياً جاء إلى الرسول  ، وإذا بامرأة من نساء السبي جاءت تبحث عن صبي لها فقدته، فأخذت تقلب الأطفال واحداً واحدا، ثم وجدت طفلها بعد مشقة وعناء، فألصقته في بطنها وأخذت ترضعه، والرسول  وصحابته يرقبون الموقف ويرقبون المرأة وهي تذرف الدموع رحمة بوليدها، فيقول الرسول  لأصحابه: “أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟”، قالوا: لا يا رسول الله، فقال “: “لله أرحم بعباده من هذه  بولدها”.

فلا إله إلا الله ما أعظم رحمة الله، وما أوسع رحمة الله، رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شيء، ورحمته جل وعلا سبقت غضبه، فهو رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، له سبحانه مائة رحمة، أنزل لنا في هذه الدنيا رحمة واحدة، فبها يتراحم الخلق كلهم، صغيرهم وكبيرهم، مؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وأعجمهم، حتى إن الدابة لترفع رجلها ليرضع منها وليدها ثم يذهب بهذه الرحمة، فإذا كان يوم القيامة رفع الله هذه الرحمة إلى تسع وتسعين رحمة، حتى إن إبليس ليتطاول في ذلك اليوم، ويظن أن رحمة الله ستشمله.

فيا من رحمتك وسعت كل شيء ارحمنا برحمتك.

يا كثيــر العفو عمن كثر الذنب لديـــــه 

 جاءك المذنب يرجو الصفح عن جرمٍ لديه

أنـا ضـيف وجـزاء الضـيف إحســــان إليـه

يروى أن رجلاً من بني إسرائيل أطاع الله أربعين سنة، ثم عصى الله أربعين سنة، فلما نظر في المرآة رأى الشيب في لحيته فقال: يا رب، أطعتك أربعين سنة، وعصيتك أربعين سنة، فهل تقبلني؟ فقيل له: أطعت ربك فقبلك، وعصيته فأمهلك، وإن عدت إليه قبلك.

إن الملوك إذا شابت عبيدهـم     فـي رقهـم عتقوهـم عتق أبــــرار

وأنت يا خالقي أولى بذا كرماً          قـد شبت في الرق فأعتقني من النار

أخوة الإيمان والإسلام :

 

إن من أعظم فرص الحياة أن بلغنا الله هذه الساعات التي نتهيأ فيها لاستقبال شهر رمضان، ونسأله سبحانه أن يبلغنا هذا الشهر العظيم، فكم نعرف من الأهل والإخوان والأقارب والجيران صاموا معنا في العام الماضي، وهم الآن تحت الجنادل والتراب وحدهم، أتاهم الموت، أتاهم هادم اللذات ومفرق الجماعات وآخذ البنين والبنات، فاختطفهم من بين أيدينا، أسكتهم والله فما نطقوا، وأرداهم فما تكلموا، كأنهم والله ما ضحكوا مع من ضحك، ولا أكلوا مع من أكل، ولا شربوا مع من شرب.

كم كنت تعرف ممن صام في سلف    من بين أهـل وجيـران وإخوان

أفناهـم المـوت واستبقاك بعدهمو حياً فما أقرب القاصي من الداني

الموت – يا عباد الله – يقصم الظهور ويخرج الناس من الدور، وينزلهم من القصور ويسكنهم القبور.

الموت لا يستأذن شاباً ولا شيخاً ولا طفلاً، ولا يستأذن غنياً ولا أميراً ولا ملكاً ولا وزيراً ولا سلطاناً.

أتيت القبـور فنـاديتهـا        أيـن المعظـم والمحتقـر

تفانـوا جميـعاً فما مخبرٌ       وماتوا جميعاً ومات الخبر

فيا سائلي عن أناس مضوا       أما لك فيما مضـى معتبر

تروح وتغدوا بنات الثرى         فتمحو محاسن تلك الصور

الموت يا عباد الله:”  أسرع وأقرب إلينا من شراك النعل، وما أسرعه هذه الأيام، وما أسهله، والحياة قصيرة  والله  جد قصيرة، إذا ولد الإنسان أذن في أذنه اليمنى أذان بلا صلاة، فإذا مات الإنسان صليت عليه صلاة الجنازة بلا أذان، فكأن حياة الإنسان قصيرة قصيرة، وكأنها كالوقت الذي بين الأذان والإقامة.

أذان الطفل في الميلاد دوماً  وتأخير الصلاة إلى الممات

دليـلاً أنّ محيـاه قليــلٌ         كمـا بين الإقامـة والصلاة

فهل من تائب إلى الله؟ وهل من عائد إلى رحاب الله؟ وهل من توبة صادقة؟ وهل من عودة حميدة؟

يا شيخاً كبيراً احدودب ظهره، ودنا أجله، ماذا أعددت للقاء الله؟ وماذا بقي لك في هذه الدنيا؟ يقول سفيان الثوري: “إذا بلغ العبد ستين سنة فليشتر كفناً وليهاجر إلى الله”.

ويا شاباً غره شبابه وطول الأمل، ماذا أعددت للقاء الله؟ متى تستفيق إن لم تستفق اليوم؟ ومتى تتوب إن لم تتب في هذه الساعات؟ ومتى تعمل إن لم تعمل في هذه اللحظات؟

يا نفس توبي قبل أن لا تستطيعي أن تتوبي 

 واستغفري لذنوبك الرحمن غفار الذنوب

إن المنايا كالرياح عليك دائمة الهبوب

يا من يرى مد البعوض جناحها       في ظلمة الليل البهيم الأليل

ويرى مناط عروقها في مخهـا        والمخ في تلك العظام النحل

اغفر لجميع من تاب من زلاتـه        ما كان منه في الزمان الأول

جاء عن  أبي أمامة الباهلي قال : “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلا وعرا فقالا لي : اصعد ، حتى إذا كنت في سواء الجبل فإذا أنا بصوت شديد فقلت ما هذه الأصوات ؟ قال : هذا عواء أهل النار ، ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دما فقلت : من هؤلاء ؟ فقيل : هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم ” (صحيح الترغيب والترهيب). قال الإمام الذهبي :”وعند المؤمنين مقررٌّ أن من ترك صوم رمضان من غير عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر ، بل يشكون في إسلامه ، ويظنون به الزندقة..

إخوة الإيمان والإسلام :

وحال الناس مع رمضان على ثلاثة أقسام :

القسم الأول : من صاموا الشهر لأنه عادة ألفوها وشيئ نشأوا عليه واعتادوه ، فهم يصومون لأن الناس كلهم كذلك ، فتراهم لا يحسون للصيام بلذة ، ولا يتذوقون طعم القيام في لياليه . فصيامهم صيام عادة وليس بصيام عبادة .ولهذا فلا تجد لرمضان أثرا في سلوكهم وحياتهم ، فهم هم قبل رمضان وبعده .

القسم الثاني : من استثقلوا مقدم هذا الشهر ، فتراهم تمر بهم ليالي الشهر وأيامُه كأبطأ ما يكون فتراهم يقضون نهاره بالنوم وليله بالسهر المحرم أما ما يغضب الله ويسخطه .إن هؤلاء يرون في الصوم قطعاً أو حرماناً لهم من بعض ملذاتهم ومتعهم التي اعتادوها طوال العام .  وقد سئم أحدهم من رمضان فكان يقول :

دعاني شهر الصوم لا كان من شهر *** و لا صمت شهراً بعده آخــر الدهـر

فلو كان يعديني الأنام بقــــدرة *** على الشهر لاستعديت جهدي على الشهر

فأخذه داء الصرع فكان يصرع في كل يوم مرات متعددة،ومات قبل أن يدركه رمضان آخر.

ويقول آخر :

إذا العشرون من شعبان ولّت *** فبادر بالشراب إلى النـــهارِ .

و لا تشرب بأقداحٍ صغـارٍ *** فإن الوقتَ ضاق على الصغارِ.

وأما إذا انقضى الشهر فذاك منتهى سعادتهم وغاية مناهم ؛ يقول أحدهم متحدثا عن الخمر التي فقدها في رمضان :

رمضان ولّى هاتها يا ساقي***مشتاقة تسعى إلى مشتاقِ .

ما كان أصعبه على آلافها***وألذه في طاعة الخـــــــلاق.

بالأمس قد كنا سجيني طاعة***واليوم منّ العيد بالإطلاق .

فرمضان سجن إذاً عندهم.نعوذ بالله من الحرمان والخذلان .

إن هؤلاء القوم لا يهمهم إلا إشباع غرائزهم وملء بطونهم قال صلى الله عليه وسلم : ” إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا يوم القيامة ” ( ابن ماجة ).

فمن أعظم أسباب التوبة تذكر الموت والقدوم إلى الله والوقوف بين يديه سبحانه وتعالى.

القسم الثالث : من فرحوا بمقدمه فهو كالحبيب الذي طال انتظاره فأطل عليهم بطلعته البهية وخيراته الجليلة . فتراهم يغتنمون كل لحظة من لحظاته بعبادة تقربهم إلى مولاهم هذا الصنف من الناس تمرّ عليهم أيام هذا الشهر سريعة جدا لا يشعرون بها نظرا لأنهم قد ملئوها بالقربات والباقيات الصالحات . ولهذا فالشهر عندهم كنـز يحزنون لانقضائه ، ويبكون لفراقه .

ومع هذا فليس انقضاء الشهر عندهم يعني انقضاء العبادة وانتهاءها ؛ بل تراهم يحرصون على أن يجعلوا السنة كلها صياماً و قياماً و عبادات وقربات، ويحمون أنفسهم عن جميع الملذات فضلاً عن المحرمات؟ أولئك هم أحباب الله وأولياؤه ..

:” ا ابن آدم أحبب ما شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، وكن كما شئت فكما تدين تدان “.

والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الخلق أجمعين .

أما بعد فيا جماعة الإسلام :

هنيئاً لمن أطال الله في عمره حتي يبلغ رمضان فصيام رمضان شهر واحد أعلي بمنزلة من منزلة الشهيد إن عبداً أكرمه الله بأن جعل في عمره فسحة لمغبون .” قصة الرجل الذي دخل المقبرة ونام ” وروى ابن ماجه بسند صحيح كما قال الألباني عن طلحة بن عبيد الله أن رجلين قَدِما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، فكان أحدهما أشد اجتهاداً من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثم مكث الآخر بعده سنة ثم توفي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنة فأذن للذي توفي الآخِر منهما، ثم خرج فأذن للذي استشهد، ثم رجع إلي فقال: ارجع فإنك لم يأْنِ لك بعد، فأصبح طلحة يحدث به الناس، فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثوه الحديث، فقال:” من أي ذلك تعجبون ؟ ” فقالوا: يا رسول الله هذا كان أشد الرجلين اجتهادا ثم استشهد، ودخل هذا الآخِر الجنةَ قبله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :”أليس قد مكث هذا بعده سنة ؟ ” قالوا: بلى، قال :”وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدة في السنة ؟ قالوا: بلى، قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”فما بينهما أبعد مما بين السماء والأرض “.

وقد  جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله ! أي الناس خير ؟ قال : طوبى لمن طال عمره ، وحسن عمله . وقال الآخر : أي العمل خير ؟ قال : خير العمل أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله “(صحيح).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ” قال الله عزوجل : “يا ابن آدم ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم ، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ، ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم ، إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة “(الترمذي ).

هذا حديث يأثر القلب  ويأخذ بمجامع النفس ويستمطر الدمع  لقد جاء هذا الحديث ، ليزفّ إلى الناس البشرى ، فرحمة الله واسعة ، وفضله عظيم ، لا يقف عند حدّ ، ولا يحصيه عدّ ، فغدا هذا الحديث إبهاجا للتائبين ، وأملاً للمذنبين ، وفرصة لمن أسرف على نفسه بالمعصية ، أو فرّط فيما مضى من حياته ، ولعلك – أخوة الإيمان والإسلام :”  – تدرك بذلك سر المكانة التي حازها هذا الحديث دون غيره ، حتى إن كثيرا من العلماء ليرون أنه أرجى حديث في السنة كلها .

وتتجلّى معالم الحديث في بيانه لأسباب حصول المغفرة ، ويأتي الدعاء في مقدّمة تلك الأسباب، والدعاء قربة عظيمة ، وصلة مباشرة بين العبد وربّه ، وهي سلاح المؤمن الذي يتسلّح به في الشدائد والكربات. 

أخوة الإيمان والإسلام :”

الاستغفار هو طلب الستر والعفو من الله والتجاوز عن الذنب لذا قد أثني الله عز وجل علي المستغفرين وذكرهم في أكثر من موضع في كتابه الكريم فقال :” والمستغفرين بالأسحار”(آل عمران/17). وقال تعالي :” ومن يعمل سوءً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيماً”(النساء/110).

 

 

وعلاوة على ذلك ، فإن للاستغفار مزيد فضل على غيره من العبادات ، إذ لا تقتصر بركته على محو الخطايا وتكفير السيئات ، بل يمتدّ خيره إلى السماء فتنزل أمطارها ، وإلى الأرض فتنبت زروعها وثمارها ، ويحصل به النماء في الذريّة ، والقوّة في العُدّة ، ولا أدلّ على ذلك من قوله تعالى : “فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ، يرسل السماء عليكم مدرارا ، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً” ( نوح/ 10 – 12).

فمن هنا : لم يكن غريباً أن ترى الأمر بالاستغفار في كثير من الآيات الكريمات ، ولم يكن غريبا أن يتكرر الاستغفار على لسان كثير من الأنبياء والمرسلين ، بل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يُعدّ له في المجلس الواحد مائة استغفار ، كما ورد في سيرته .

ولا يكون الاستغفار صادقاً إلا حين يصدر من قلب مؤمن مستحضر لجلال الرب وعظمته ، نادم على ما كان منه من تفريط وتقصير ، عازم على التوبة والإنابة ، وإلا فهي توبة جوفاء ، لا تنفع صاحبها .

 ثم إن أعظم أسباب المغفرة وأجلّها تحقيق جوانب التوحيد ، والإتيان به على أكمل وجه ، ويكون ثمرته الأمن والأمان وقد أعلمنا ربنا بذلك بقوله  : “الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون “( الأنعام / 82 ) ، فامتدح من كان إيمانه نقيّا خالصا من عوالق الشرك ، وبشّرهم بالسلامة من دخول النار ، ولا عجب في ذلك ، فإن الذنوب كلها تتصاغر أمام عظمة التوحيد ، ومن ثمّ تكفّل الله تعالى لمن لم يشرك به شيئاً أن لا يعذّبه ، كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه : ” وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يُشرك به شيئاً “( البخاري ).

وختاماً : أخوة الإيمان والإسلام تجهزوا للتزود  بتقوى الله، استعدوا لجني ثمار هذا الشهر الفضيل وثماره كثيرة وعظيمة ومنها الشكر :”لعلكم تشكرون” ومنها التقوي :” لعلكم تتقون ” فالعز والشرف والسعادة والعلا عند أهل التقى، لأن التقوى كنز عظيم، وجوهر عزيز “وتزودوا فإن خير الزاد التقوى” كيف لا والقبول معلق بها “إنما يتقبل الله من المتقين” والغفران والثواب الموعود يعطى لأهلها، وهم الأعلون في الآخرة والأولى ” تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ”(القصص/83).

 

 

 

 

 

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

وزير التعليم يؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية بأسس جديدة

وزير التعليم  يؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية بأسس جديدة       كتبت ناريمان حسن …