الرئيسية / ارشيف الطليعة / خطبة الجمعة : دروس من خطبة الوداع .. “حرمة الشائعات “

خطبة الجمعة : دروس من خطبة الوداع .. “حرمة الشائعات “

خطبة الجمعة 1

يلقيها فضيلة الشيخ/ عبد الناصر بليح

الحمد لله الذي نور بهدايته قلوب العارفين ، وأقام على الصراط المستقيم أقدام السالكين.  الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد ” إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ  مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ “

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء شهيد ،

 وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف العبيد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم المزيد وسلم تسليماً كثيراً .

أما بعد  فيا جماعة الإسلام :

إن موسم الحج موسم فاضل كريم يتربى فيه المؤمنون على كل فضيلة وخير ، ويتزود فيه المؤمنون بخير زاد ، والله جلَّ وعلا قد قال لعباده في أثناء آيات الحج : “وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ “(البقرة:197).

ولهذا كان متأكداً على كل مؤمن أن يحرص على الاستفادة من مشاعر الحج وأعماله سواء مَنْ حجَّ أو لم يحج ، لأن الحج مدرسة إيمانية يتربى فيها المؤمنون على الأخلاق الفاضلة والعبادات الكاملة وحُسن التقرب إلى الله جلَّ وعلا والبعد عن مساخطه ومناهيه ؛ ولهذا أيضاً كان متأكداً على الدعاة إلى الله ومن يُعْنَون بالنصيحة لعباد الله أن ينتهزوا هذه الفرصة المباركة الثمينة لغرس الفضائل ونشر الآداب ودعوة الناس إلى الكمال بالإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول صلوات الله وسلامه عليه .

وقد حجَّ رسولنا محمد صلي الله عليه وسلم  الحجة المشهورة بحجة الوداع ، تلك الحجة العظيمة التي علّم النبي صلى الله عليه وسلم الأمة أعمال الحج ومناسكه ، وفي الوقت نفسه قرَّر فيها قواعد الدين العظيمة وأصوله الكاملة وآدابه الكريمة وحذّر فيها من المحرمات والآثام ، ودعا فيها إلى لزوم تقوى الله جلَّ وعلا ، ولهذا جاءت السنة أن النبي صلي الله عليه وسلم  خطب الناس يوم عرفة ، وخطب الناس يوم النحر ، وخطب الناس في أوساط أيام التشريق ، وفي خطبه تلك كان يؤكد صلي الله عليه وسلم  على لزوم الدين والتمسك به ، والتحلي بآدابه الفاضلة وأخلاقه الكريمة وآدابه العظيمة ، والتمسك بعقائده وشرائعه ، وقد جاء في هذا الباب أحاديث عظيمة عن النبي   صلي الله عليه وسلم    .

وكان من أعظم ما قرر النبي  صلي الله عليه وسلم  في خطبه في حجة الوداع : الحذر من التعرض لدماء المسلمين أو أموالهم أو أعراضهم ، وقد أكد على ذلك صلوات الله وسلامه عليه غير مرة وبغير أسلوب ؛ ومن ذلك :

وقال في خطبته يوم النحر :”يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالُوا يَوْمٌ حَرَامٌ ، قَالَ فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا بَلَدٌ حَرَامٌ ، قَالَ فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ قَالُوا شَهْرٌ حَرَامٌ ، قَالَ فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فَأَعَادَهَا مِرَارًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ ؟)البخاري ومسلم).

فانظر أيها المؤمن هذا التأكيد العظيم والاهتمام البالغ بهذا الأمر في يوم عرفة وفي يوم النحر : “إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا”

لقد أكدت خطبة الوداع على رعاية حرمة أعراض المسلمين في قوله صلي الله عليه وسلم  : ” فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا، وفي شهركم هذا، في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم”

وقد توعد الله سبحانه وتعالى الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في المؤمنين، بالعذاب الأليم، فقال: “إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”(النور/ 19)؛ وقد لعن الله الذين يتكلمون في أعراض الناس، فقال: “إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ”(النور/ 23). وأمر الله أن يُجلدوا ثمانين جلدة ما لم يأتوا بأربعة شهداء، قال تعالى: “وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”(النــور/ 4).

أيها الناس :

لقد كفل الإسلام حق الإنسان في صيانة عرضه والمحافظة عليه وجاء ذلك ببيان حق الزوجة على زوجها من نفقة وكسوة ، وحق الزوج على زوجته من طاعتة وحفظ له في غيبته مما يحفظ لهما حياة كريمة في ظل شريعتنا السمحاء، حيث جاء في سياق خطبته؛ -صلى الله عليه وسلم-: “فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ! فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ. وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ. فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ، فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ” ( مسلم ).

وهنا بيان عظيم لحقوق المرأة في الإسلام وحقوق الرجل أيضاً، فالإسلام لم يحابي أحداً ولم يغفل حق أي إنسان. ياله من دين عظيم.

فالمحافظة على الأعراض من الضرورات الخمس التي حافظ عليها الإسلام، فالإسلام جاء بالمحافظة على الضروريات الخمس وهي: حفظ الدين والنفس والنسل، وحفظ الأعراض، وحفظ العقول، فهذه الضروريات حافظت عليها جميع الشرائع. –

إن العرض عند الإنسان أهم شيء يجب أن يحافظ عليه، فهو يجب أن يقوم بالمحافظة على عرضه ومحارمه؛ ولهذا أمر الإسلام بالمحافظة على العرض وصيانته والدفاع عنه؛ وجعل الإسلام لذلك وسائل وحدود.

 

أيها الناس : اتقوا الله تعالى واعلموا أنه ما من أحد منكم إلا وقد وكل الله به ملكين أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال ، أحدهما مأمور بكتب الحسنات والثاني مأمور بكتب السيئات ، فما تلفظون من قول ولا تعملون من عمل إلا كتب عليكم وأحصي عليكم إحصاء لا يغادر صغيرة ولا كبيرة ، سواء تلفظتم بذلك جهرا وسرا وسواء فعلتم الفعل خفية أو علانية فكل ذلك يكتب عليكم ويحصى ثم تنبئون بما عملتم يوم القيامة ويعطى كل إنسان كتابه فيقال : ” اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا } فطوبى لعبد ملأ كتابه بالخير والأعمال الصالحات وبؤس لمن سود كتابه بالشر والأعمال السيئات . (الضياء اللامع من الخطب الجوامع).

 

أيها الناس : كلنا نؤمن بذلك إن شاء الله نؤمن بأن ما عملنا من قول أو فعل فإنه مكتوب محصى سواء كان صغيرا أم كبيرا ، ولكن الكثير منا يعملون العمل جزافا كأنه غير مكتوب عليهم يطلقون الكلام القبيح من غير مبالاة يلعنون من لا يستحق اللعن ، تجد الواحد منهم يلعن أخاه المسلم وربما لعن أخاه لأبيه وأمه وربما لعن ولده أو أمه أو أباه ، وهذا غاية ما يكون من الجهل والحماقة فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة ” وفي الحديث عنه أنه قال : ” إن العبد إذا لعن شيئا صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها ثم تأخذ يمينا وشمالا فإن لم تجد مساغا رجعت إلى الذي لعن فإن كان أهلا وإلا رجعت إلى قائلها “وتجد الواحد من الناس يسب أخاه عند المخاصمة سبا قبيحا قد يكون متصفا به وقد يكون غير متصف به ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم ” يعني أن إثم المتسابين يكون على من ابتدأ السب أولا إلا أن يعتدي المظلوم . وتجد بعض الناس يتكلم بأخيه بما يكره وهو غير حاضر”(الضياء اللامع من الخطب الجوامع (2/  139).

فيسبه في غيبته وهذه هي الغيبة التي شاعت عند كثير من الناس وتهاونوا بها مع أنها من كبائر الذنوب وقد شبه الله من يغتاب الرجل بمن يأكل لحمه ميتا وفي الحديث عن النبي -صلي الله عليه وسلم  أنه قال : ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عوراتهم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته ” وفي حديث آخر : ” يفضحه ولو في جوف رحله “.

 

 أيها الناس : ما أكثر هؤلاء اليوم ما أكثر من يتتبعون عورات الناس ويتطلبون زلاتهم فإذا رأوا زلة من أحد فرحوا بها ونشروها وإذا رأوا استقامة ومفخرة كتموها وحملوها على غير محملها وهؤلاء هم الذين عناهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بقوله : ” يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم ” فاتقوا الله أيها المسلمون وحاسبوا أنفسكم على ما تقولون وما تفعلون فإنكم عن ذلك مسئولون وعليه محاسبون : “وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ” وقال تعالي :” كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ  كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ” .

 

قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: “وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ)” الترمذي.) يعني ما الذي جاء بالمصائب للناس وأدخلهم الى النار إلا ما يتكلمون به بألسنتهم نعم حصائد ألسنتهم أصبحت بوابه لهم الى النار فكم من هذه الحصائد في مجالسنا من بذائة بالألفاظ وفحش بالكلام ومن سب ولعن وشتم بأساليب عديدة ومع الأسف لا تطيب المجالس عند البعض ولا يحلو الحديث إلا بهذه الأساليب والأنكى من ذلك والأشد أن بعض النفوس يرون أنه من باب المزاح والتسلية وقضاء الأوقات و تحلية المجالس وما علم هؤلاء أنهم وقعوا بذلك بالفسق وأضاعوا أوقاتهم بل وحمّلوا أنفسهم الأوزار وربما كان الرجل او المرأة حريصا على سلامة ماله من الربا وسلامة سمعه من الغناء وسلامة يده من الأذى وربما غض بصره وحفظ فرجه تجده لا ينظر الى الحرام ويغض بصره عن الصور التي في المجلات والتي في القنوات لكنه لا يستطيع أن يتحكم في حركة لسانه من احتقار للناس واستهزاء بهم ووقيعة بأعراضهم فيأتي يوم القيامة مفلسا نعم يأتي يوم القيامة مفلسا أتدرون من المفلس قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه كما عند مسلم فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ : “أَتَدْرُونَ مَن الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ” (مسلم).

 

يعني قد يكون الرجل صالحا قد يكون طالب علم او رجل تقي او له نشاط في الدعوة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يأتي بصلاة وصيام وزكاة يأتي وقد بدأ الرسول بماذا من المعاصي ؟ هل قال ويأتي وقد زنا لا لم يقل وقد زنا يأتي وهو يشرب خمرا لا هو رجل يصلي ويصوم يزكي اسمع ماذا بدأ من الأخطاء التي وقعت منه ما قال وقد نظر الى حرام .. يأتي وقد أكل شيئا من الحرام .. بل يأتي وقد شتم هذا بدأ باللسان ثم ذكر أمرا آخر يتعلق باللسان وقذف هذا لاحظ كلها تتعلق باللسان ثم قال وأكل مال هذا وسفك دم هذا يعني نصف ما في الحديث يتعلق باللسان الشتم والقذف ثم قال وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا.. قال فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار إذن اسجن لسانك غيبة الناس والوقيعة في أعراضهم والاستهزاء بهم في أشكالهم أو في وظائفهم او في بيوتهم سواء انتقصت أخاك في بدنه او في دينه او في دنياه او في ماله أو في أهله أو في مشيته او ذكرته بلفظك او بكتابتك او أشرت اليه بعينك أو يدك او رأسك كل هذا حرام.

أخوة الإيمان :

بالكلمة الخبيثة خسر إنسان دنياه وآخرته، ففي سنن أبي داود، قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك. فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالما؟ أو كنت على ما في يدي قادرا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر اذهبوا به إلى النار”. قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.

والكلمة الخبيثة من أسباب دخول النار، فكم من رجل تردّى في النار بسبب كلمة من لسانه ففي الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام ان العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يعني يخرج الكلمة في مجلس ,في سيارة, مع رجل يتحدث معه في قطار او طائره, او في سوق هكذا يطلق الكلام دون ان يفكر فيه من غضب الله و من سخطه ومن الحرام قال صلى الله عليه وسلم: {إن الرجل ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلّ بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب}

وعند الترمذي من حديث بلال ابن الحارث أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ( الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما كان يظن انا تبلغ ما بلغت) يعني الرجل يلقي كلمة نصيحة في مجلس او يقدم نصيحة إلى إنسان أو يذب عن عرض أخيه المسلم أي كلام فيه نوع من رضوان الله أو تسبيح أو غير ذلك أهم شيء أنه نوع من رضوان الله تعالى قال: {إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى له بها رضوانه إلى يوم يلقاه ثم قال وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما كان يظن ان تبلغ ما بلغت يكتب الله تعالى بها عليه سخطه الى يوم يلقاه} إذًا – أخي المسلم – فلنتثبَّت في ألفاظنا، ولنحاسب أنفسنا قبل أن تزلَّ القدم، ولنَعْلَم أن الكلمات السيئة كم هدمت من بناء أعمال صالحة! وكم أوردت صاحبها موارد العَطَب والهلاك! يقول صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليتكلّم بالكلمة من سَخط الله، لا يظن أن تبلغ ما بلغت، يَكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه، وإن العبد ليتكلّم بالكلمة من رضوان الله، ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقا”( مالك في الموطأ وأحمد والترمذي وابن ماجه ).

أعوذ بالله أن يكون الإنسان ينام ويأكل ويشرب ويذهب ويجيء وهو قضى شهرا او سنه او عشر سنوات قد تساهل بكلمه من سخط الله فألقاها ولا يزال الله ساخطا عليه لمده عشرين سنه او أربعين او خمسين سنه الى أن يموت لا يزال الله ساخطا عليه إلى يوم يلقاه هل نظرت في مقدار عظمه هذه الكلمات يقول علقمة رحمه الله يقول والله كم من كلام أردت أن أتكلم به فمنعنيه حديث بلال ابن الحارث يعني هذا الحديث.

الخطبة الثانية :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين .أما بعد فيا جماعة الإسلام :

في الصحيحين أنه صلي الله عليه وسلم  رقا يخطب أصحابه في الحج فنظر فإذا بين يديه أكثر من مئة ألف فيهم الكبير والصغير الغني والفقير العربي والأعجمي الحر والعبد الأسود والأبيض فخطب بهم  صلي الله عليه وسلم  وقال:”إن دمائكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت اللهم فاشهد” وقصد بأعراضكم إما أن تعتدي عليهم بالفاحشة أو أن تعتدي بالكلام غيبه أو استهزاء أو سخرية أو تنابز بالألقاب وصح عند الإمام أحمد أنه  صلي الله عليه وسلم  قال: ” لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم قلت من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم”(أحمد).

أيها الناس :

إن المسلم منهي عن ترويج الأخبار الدنيوية فضلا عن الدينية دون تثبت، ومن ينظر نظرة ثاقبة في سر نهي الإسلام عن ترويج الشائعات يجد الكثير من الأسباب، فقد تروّج شائعة تتسبب في هزيمة جيش، أو قيام حرب، أو قتل نفس، أو إفساد في الأرض، أو إقامة بدعة لا أصل لها أو هدم سنة ثابتة في الشرع، أو صرف المسلمين عن قضية من قضاياهم المصيرية. وقد يكون مصدر الإشاعة غير المسلمين وكتبت بما يوحي الحرص على الإسلام، فينخدع بها المسلمين ليكونوا جنودا في ترويجها.وكم قرأنا في التاريخ عن ما يسمي بالحرب الإعلامية النفسية، وكيف تستخدم فيها خبرات خاصة لترويج الشائعات وبث الذعر والخوف في نفوس العدو. ونهي الإسلام عن الشائعات لخطورتها علي المجتمع الإنساني ككل ولما لها من أثر بالغ علي الأمن والاستقرار في المجتمع لذلك وقف القرآن الكريم لهؤلاء الذين يروجون الشائعات بالمرصاد ووصفهم بأنهم أفاكين كذابين يغيرون وجه الحقيقة. قال تعالي:”ِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ . لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ . لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ . وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ . وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ . يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” (النور/11-18). افتتحت هذه الآيات الكريمة بقوله – تعالى:”إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ”والإفك : أشنع الكذب وأفحشه ، يقال أفِكَ فلان أي : كذب كذبا قبيحا . والإفك : الكذب .   – وهو بمعنى صرف الشىء عن وجهه الذي يجب أن يكون عليه . وأطلق على الكذب إفك – بكسر الهمزة – لكونه مصروفا عن وجه الحق ، ثم صار حقيقة فيه .والعصبة : الجماعة من العشرة إلى الأربعين ، من العصب وهو الشد ، لأن كل وأحد منها يشد الآخر ويؤازره .أى : إن الذين قالوا ما قالوا من كذب قبيح ، وبهتان شنيع ، على السيدة عائشة – رضى الله عنها – هم جماعة ينتسبون إليكم – أيها المسلمون – بعضهم قد استزلهم الشيطان . كمسطح بن أثاثة – وبعضهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر والنفاق – كعبد الله بن أبى بن سلول – وأتباعه .وفى التعبير بقوله – تعالى :” عُصْبَةٌ ” : إشعار بأنهم جماعة لها أهدافها الخبيثة ، التى تواطئوا عل نشرها ، وتكاتفوا على إشاعتها ، بمكر وسوء نية .وقوله – سبحانه – : “لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ . . “تسلية للنبى صلى الله عليه وسلم ولأصحابه المؤمنين الصادقين ، عما أصابهم من هم وغم بسبب هذا الحديث البالغ نهاية دركات الكذب والقبح .

أى : لا تظنوا – أيها المؤمنون – أن حديث الإفك هذا هو شر لكم ، بل هو خير لكم ، لأنه كشف عن قوى الإيمان من ضعيفة . كما فضح حقيقة المنافقين وأظهر ما يضمرونه من سوء للنبى صلى الله عليه وسلم ولأهل بيته ، وللمؤمنين ، كما أنكم قد نلتم بصبركم عليه وتكذيبكم له أرفع الدرجات عند الله تعالى .ثم بين – سبحانه – ما أعده لهؤلاء الخائضين فى حديث الإفك من عقاب فقال : ” لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم ” .أى لكل واحد من هؤلاء الذين اشتركوا في إشاعة حديث الإفك العقاب الذي يستحقه بسبب ما وقع فيه من آثام ، وما اقترفه من سيئات .وقوله تعالى – : “والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” بيان لسوء عاقبة من تولى معظم إشاعة هذا الحديث الكاذب .والكبر – بكسر الكاف وضمها – مصدر لمعظم الشيء وأكثره .أى : والذى تولى معظم الخوض فى هذا الحديث الكاذب ، وحرض على إشاعته ، له عذاب عظيم لا يقادر قدره من الله – تعالى – .والمقصود بهذا الذى تولى كبره . عبد الله بن أبى بن سلول ، رأس المنافقين وزعيمهم ، فهو الذى قاد حملته ، واضطلع بالنصيب الأكبر لإشاعته . ثم وصف – سبحانه – الخائضين فى حديث الإفك بالكذب لأنهم قالوا قولا بدون دليل ، فقال :” لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شهداء “أى : وما داموا لم يأتوا بهم – ولن يأتوا بهم – ” فأولئك عِندَ الله ” أى : فى حكمه – سبحانه – وفى شريعته ” هُمُ الكاذبون ” كذبا قبيحا تشمئز منه النفوس ، ويسجل عليهم الخزي والعار إلى يوم القيامة …

ثم صور – سبحانه – أحوالهم فى تلك الفترة العصيبة من تاريخ الدعوة الإسلامية فقال : ” إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ” . تلقيكم هذا الحديث السيىء لساناً عن لسان باستخفاف واستهتار! ويأخذه بعضكم عن بعض بدون تحرج أو تدبر .” وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ” أى: وتقولون بأفواهكم قولا تلوكه الأفواه ، دون أن يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل ففى هاتين الجملتين زجر شديد لأولئك الذين خاضوا فى حديث الإفك ، بدون تدبر أو تعقل ، حتى لكأنهم – وقد أفلت منهم الزمام ، واستزلهم الشيطان – ينطقون بما ينطقون به بأفواههم لا بوعيهم,وبألسنتهم لا بعقولهم ، ولا بقلوبهم، وإنما هم يتفوهون بكلمات لا علم لهم بحقيقتها .( الوسيط لسيد طنطاوي).

أخوة الإيمان والإسلام :

جاءت تعاليم الإسلام من آيات وأحاديث  وخطبة الوداع نفسها جاءت  شافية قاطعة مانعة لكل الألسن التي تخوض وتطاول في أعراض الناس بغير علم وأكدت علي كل ما جاء في كتاب الله  من تعاليم ووصايا ربانية ..

وواجب علينا نحن اليوم أن نعلم  أنه منذ قرابة أربعة عشر قرن ونصف، جاءت التعاليم الربّانية إلى نبينا صلي الله عليه وسلم  بحرمة ترويج الشائعات، ووجوب التثبت من الأخبار قبل نشرها، ولم يكن في عصرهم لا جريدة ولا هاتف ولا وسيلة إعلامية قوية تعادل قيمتها واحد بالمئة من قوة سلاح عصرنا الجديد الإنترنت، وهو أولى وأدعى للمسلمين في هذه الأيام بتدبر هذا النهي الرباني والتوجيه  النبوي.فقد قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ  “( الحجرات/6). ويظن البعض هنا أن الآية تعني إباحة نقل الأخبار من غير الفاسق “أي الملتزم بتعاليم دينه”، ولكن قراءة سبب نزول الآية تؤكد أنها جاءت لتحذر من أي خبر فيه تهويل أو تزييف بغض النظر عن مروّجه، كيف لا وقد كان سبب نزولها خبر نقله صحابي من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم  “(يراجع تفسير ابن كثير في تفسير سورة الحجرات الآية السادسة لمعرفة سبب النزول).

أخوة الإيمان والإسلام :

إن الشائعات بكل أنواعها المختلفة حية رقطاء تنفث سمومها في المجتمع وإذا لم يتكاتف كل مواطنين الشعب في مقاومتها ودرئها بكل عنف تقضي علي الروح المعنوية بالمجتمع التي هي أساس النجاح والأمن والاستقرار في المجتمع كله.   

 

                                                            

 

 

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

مدير مكتب التموين بالسويس : حق المغتربين تغير مكان بطاقتهم

كتب جمال شوقى     صرح مجدي عبد العال مدير عام التموين بأن المواطنين المغتربين …