الرئيسية / ارشيف الطليعة / خطبة الجمعة : رمضان شهر المواساة و الإطعام

خطبة الجمعة : رمضان شهر المواساة و الإطعام

خطبة الجمعة 1

يلقيها فضيلة الشيخ/ عبد الناصر بليح

الحمد لله رب العالمين .. إن الحمد لله نحمده سبحانه وتعالي ونستعينه ونستهديه ونسأله التوفيق والسداد والعفاف والغني والتقي .”من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليّاً مرشداً “( الكهف/17).

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أجزل الخير للطائعين الصائمين المتصدقين قال في حديثه القدسي :” أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر”  (الترمذي).

وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله القائل :” مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ منه، فلا يرى إلا ما قدم، وينطر أشأم مِنْهُ، فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لم يجد فبكلمة طيبة”( متفق عليه).

اللهم صلاة وسلاماً عليك يا سيدي يا رسول الله وعلي آلك وصحبك الطيبين الطاهرين وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فيا جماعة الإسلام .

نقف اليوم مع حضراتكم لنأخذ  طرفاً من حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما خاطب الأمة في آخر ليلة من شهر شعبان وقال لها: ”  أيها الناس، قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيام نهاره فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وهو شهر المواساة مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعَتَقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ كُلُّنَا يَجِدُ مَا يُفْطِرُ الصَّائِمِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مِنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مُذْقَةِ لَبَنٍ أَوْ تَمْرَةٍ أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ “(ابن خزيمه في صحيحه).

وفي رواية :” مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئاً”(الترمذي).

ونقف معكم اليوم عند هذه الفقرة،  لأنه ينبغي على الإنسان المسلم أن يغتنم الفرص، وأن يغتنم أنفاس عمره وخاصة في الأوقات المباركة، وأن يزيد في اغتنام الوقت في الأوقات المباركة في التقرب إلى الله عز وجل،

 فرمضان كما هو  شهر الصبر .. صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الابتلاء.. فهو شهر المواساة .. شهر الإطعام شهر قراءة القرءان شهر العبادة والاعتكاف في المساجد وليس شهر الطعام والشراب وليس شهر التخمة والنوم والكسل، نعم ليس شهر الطعام والتوسع في المستلذات.

وشهر رمضان المبارك هو شهر المواساة خاصة، وان المؤمن يصوم ويمتنع عن الشهوات والأكل والطعام ليحس بألم الجياع والفقراء والمعوزين الذين هم بجوارنا.

قيل لسيدنا يوسف :” لما تصوم وأنت علي خزائن الأرض ” فقال :” أخاف أن أشبع فأنسي الجائع”.

إن المواساة تعني أن تنفق بما عندك من مال أو كلمة طيبة أو تقديم عمل خير للآخرين.. وهذا لا يعني أن تعطي وتنفق كل أموالك للآخرين، بل يكفي جزء قليل منه لتحس بألم الآخرين وترتقي الى سلم الإنسانية والكمال البشري.

كما إن مواساتك للذي فقد عزيزاً، وعيادة من أصيب بمرض وداء، وإرشادك للذي ضل في عمله عبر توجيهه ونصحيته لكي يتوفق في عمله الدنيوي والأخروي.. كل تلك تدخل في باب المواسات للمسلمين.

من هنا يقول الرسول  صلى الله عليه وسلم : ” واتقوا النار ولو بشق تمرة “( متفق عليه) أي أن إعطاءك ولو تمرة واحدة للمستحق هي بمثابة تقوى من نار جهنم.

أخوة الإيمان والإسلام :

إن الصوم يبعث فينا الشعور و الإحساس بالمسؤولية الدينية و الإنسانية والرقة، ويلهمنا صفة الشكر، وضرورة دعم المحتاجين.

ففي قول صلى الله عليه وسلم: “وهو شهر المواساة”، المواساة أن تتفقد أقاربك  وأبناء جنسك وأبناء مجتمعك وأبناء حيك،وأن تسأل عن الأرامل واليتامى والمساكين .. وأن تسعى في كل أيام حياتك لتفريج كربهم وخاصة في  شهر المواساة، لعلنا أيها الإخوة ونحن في هذا الشهر العظيم المبارك أن ننطلق من هذا اليوم في مواساة أبناء مجتمعنا، في مواساة أصحاب الحاجة، وأن نجعل هذا رصيداً لأنفسنا عند ربنا جل وعلا و المؤمن الحق هو الذي  يواسي غيره وهو ينظر إلى الله ويتعامل مع الله، ولا يطلب جزاءً على المواساة من فقير مثله، إنما يطلب هذا من الله عز وجل.

انظروا أيها الأخوة إلى سيدنا محمد صلي الله عليه وسلم  عندما عاد من غار حراء يرتجف فؤاده وهو يقول لأمنا السيدة خديجة رضي الله عنها: “زملوني، إني قد خشيت على نفسي”، فقالت  رضي الله عنها: “كلا والله ما يخزيك الله أبداً” على أي أساس تقسم بالله وهي لا تعلم بعد بأنه رسول الله، لأنها لو علمت أنه رسول الله فالأمر طبيعي، لأن الله يتولى رسله، ولكن حكمت بأن الله لا يخزيه أبداً قبل الرسالة، فعلى أي أساس؟ تقول رضي الله عنها: “كلا والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق”( متفق عليه). الذي يصنع المعروف أيها الإخوة، والذي يقوم بواجب المواساة للمسلمين لا يخزيه الله أبداً، على أن يكون عمله خالصاً لوجه الله، على أن يكون ممن قال الله عز وجل فيهم: “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين”.

أخي الصائم :

كن مواسياً، لأن الله شاء أن يجعلنا متفاوتين، وأن يجعلنا درجات، وأن يجعل فينا قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، ورئيساً ومرؤوساً، ورجلاً وامرأة، وصاحب حاجة وغنياً عن الحاجة، الله عز وجل جعلنا متفاوتين اختباراً وابتلاء، وقال لنا: “وجعلنا بعضكم لبعض فتنة”، فيا أيها الكبير والرئيس والغني، ويا صاحب العلم والجاه والمنزلة أتتفقد من هو دونك في هذا المجتمع؟ أم أنك تغمض الطرف وتستغل نعمة الله لذاتك فقط؟ ما وسَّع الله عليك في المال، وما وسع عليك في الجاه والمنزلة، وما ألقى عليك المحبة بين الناس إلا لتكون مواسياً لمن حُرم هذه النعمة، “وهو شهر المواساة”، فأين مواساتنا أيها الإخوة؟ وأين الذي يتعامل مع الله؟ وأين الذي لا ينتظر المدح والثناء من الناس؟

في مدينة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أناس يعيشون ولا يدرون من أين يأتيهم رزقهم، حتى مات سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما، فعندما مات فقد الناس رزقهم. أين الذين كان يأتينا ليلاً ولا نعرفه؟ الذي نقول نحن عنه: جابر عثرات الكرام، الذي يعطي ولا يريد أن يعرف بأنه هو المعطي، لأنه التزم حده وعرف نفسه بأنه عبد لله، لا تقل عن نفسك أنا الذي أعطي، ولا تقل عن نفسك أنا الذي أفرج الكروب وأغيث الملهوف، الحقيقة أن المعطي هو الله، وأنت واسطة، فلك الشرف أن استخدمك الله في إغاثة ملهوف، ولك الشرف بأن استخدمك الله عز وجل بتفريج كرب إنسان مسلم موحِّد.

لذلك أيها الإخوة اعملوا لله، وكونوا حريصين ألا تُعرَفوا في المجتمع بأنكم تعملون، هذا إذا أردنا الأجر من عند الله عز وجل، وإذا كنا مستحضرين الموقف يوم القيامة، وعرصات يوم القيامة ما أدراك ما هي؟ والكربات يوم القيامة ما أدراك ما هي؟ عندما تدنو الشمس من الرؤوس بمقدار ميل، والناس يغوصون في عرقهم كل على حسب عمله، وفي أرض المحشر كم يتمنى العبد أن يفرج الله كربه، أتريد أن يفرج الله كربك يوم القيامة؟ نعم، ففرج كربة إنسان مسلم في الحياة الدنيا، وغيِّب نفسك بعد القيام في هذا العمل لأنك تنظر إلى الله عز وجل.

ينبغي عليك أن تبحث عن الملهوف، فبالله عليك كيف لو أنه أتاك آت وطلب منك أن تفرج عنه وأن تغيثه؟ جاء رجل إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله إني مجهود. وطبعاً أيها الإخوة قد يقول أحدنا: هناك من اتخذ المسألة صنعة له وسبباً للكسب، نعم أقول لك بحق هناك من اتخذ هذا صنعة له، ولكن إن وجدت أناساً اتخذوا المسألة صنعة لهم أيمنعك هذا من أن تبحث أنت عن المجهود، ابحث، وادخل بيوت الناس، وتقصَّ الحقائق، فإن كنت عاجزاً فهناك جمعيات خيرية أيها الأخ الكريم، قاموا بهذه المهمة، فتوجه إليهم، وإذا كنت تشك في هذه الجمعيات والقائمين عليها، أنا لا أقول عليك أن تلزم نفسك بهذه الجمعيات، فإن كان عندك شك فاذهب إلى هذه الجمعيات واطلب منهم أن يدلوك على تلك البيوت، وقم أنت بنفسك بالبحث عن المجهود، وعن صاحب الحاجة، فإذا ما اطمأن قلبك فقم بإغاثة هذا الملهوف. نعم غفر الله لهؤلاء الذين اتخذوا المسألة صنعة لهم لأنهم منعوا الخير في هذا المجتمع، وأقول: غفر الله لمن منع الخير لأنه كان يتعامل مع الخلق ولا يتعامل مع الله.

جاء هذا الرجل في مجتمع الصدق، وقال: يا رسول الله إني مجهود، فماذا فعل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أرسل صلى الله عليه وسلم إلى بعض نسائه فقالت: والذي بعثك بالحق ما عندي إلا الماء، ثم أرسل إلى أخرى فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا والذي بعثك بالحق ما عندي إلا ماء. بأبي أنت وأمي يا رسول الله.

فقال صلى الله عليه وسلم: “من يضيف هذا الليلة رحمه الله”؟ فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلِّليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأضيئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السراج حتى تطفئيه. قال: فقعدوا وأكل الضيف، ـ وبات الرجل مع زوجته وصبيانه على الجوع ـ. فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: “قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة” وفي رواية: ونزلت هذه الآية: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”( مسلم).

يا عبد الله، ما أنت قائل لربك وأنت تضيع أنفاس عمرك باللهو واللعب، وهي رأسمالك الذي ستسأل عنه يوم القيامة، اغتنموا الفرصة أيها الإخوة، أنفاسنا معدودة، في كل يوم نسمع مات فلان وماتت فلانة، وسليم مات ومريض مات، سنموت أيها الإخوة، فاغتنموا الفرصة، فهذا الشهر شهر المواساة.

أيها الإخوة: اعملوا لله،” وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ “(المزمل /20). استغل نعمة المال والجاه، واستغل نعم الله عليك قبل أن تأتيك سكرات الموت، واعتبر من ذلك الرجل الذي أدركته سكرات الموت فقال:”حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ” (المؤمنون/99-100).

 أخوة الإيمان والإسلام :

إن أيام الدنيا قصار وأيام الآخرة طوال مهما أكثر الإنسان من الحسنات فإنه ينتفع بها في الآخرة التي ليس لها نهاية .ويستطيع الانسان أن يتصدق وينفق اليوم لأنه إذا رحل عن هذه الدنيا تمني الرجعة والعودة ليصدق لما يراه من ثواب الصدقة والانفاق في سبيل الله قال تعالي :”  وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ “(المنافقون /10).

وقوله تعالى : فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين سأل الرجعة إلى الدنيا ليعمل صالحاً وماهي طبيعة هذا العمل إنها الصدقة لما رأي مالها من أجر عظيم  . وروى الترمذي عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال : من كان له مال يبلغه حج بيت ربه أو تجب عليه فيه زكاة فلم يفعل ، سأل الرجعة عند الموت . فقال رجل : يا ابن عباس ، اتق الله ، إنما سأل الرجعة الكفار . فقال : سأتلو عليك بذلك قرآنا :” يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين إلى قوله : والله خبير بما تعملون قال : فما يوجب الزكاة ؟ قال : إذا بلغ المال مائتين فصاعدا . قال : فما يوجب الحج ؟ قال : الزاد والراحلة .

أيها الصائمون :

أقبلوا في شهر رمضان شهر التوبة والرحمة والمغفرة شهر القرءان شهر الفتوحات والبطولات على الخيرات والبركات وأعمال البر والطاعات وتعلم علم الدين وتعليمه للناس ولاسيّما علم الدين الضروري .وتذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان  أجود الناس بالخير ، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان “.(مسلم).

 واعلموا أن الصدقة  من أعظم الأعمال التي يثاب المسلم عليها قال النبي”مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ”(البخاري ومسلم).  والفلو: هو المهر أي الصغير من أولاد الفَرَس والصدقة عظيمة البركة على صاحبها وعلى كل من ساهم فيها بوجه ما فيعمهم الثواب والخير وإن قلَّت أياديهم فيها كما ورد في الحديث الشريف عن النبي أنه قال{إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ بِلُقْمَةِ الْخُبْزِ وَقَبْضَةِ التَّمْرِ وَمِثْلِهِ مِمَّا يَنْفَعُ الْمِسْكِينَ ثَلاثَةً الْجَنَّةَ:الآمِرُ بِهِ وَالزَّوْجَةُ الْمُصْلِحَةُ، وَالْخَادِمُ الَّذِي يُنَاوِلُ الْمِسْكِينَ “[الطبراني والحاكم ] ومع عظيم فضل الصدقة بشكل عام فإن الصدقة في رمضان أفضل من غيره من الشهور فقد رُوي عن أنس”سُئل رسول الله أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: صَدَقَةٌ فِي رَمَضَانَ”[الترمذي] ولذا كان المصطفى أجود ما يكون في رمضان قال ابن عباس “كَانَ النَّبِيُّ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْقُرْآنَ فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ”(البخاري ومسلم).

وهذه الخصالُ الحميدة يَتَحَلَّى بها أهل الإسلام والإيمان، وإذا ما ضَعُف إيمانُهم، أو قَلَّ إحسانُهم، أو فَترتْ عزائمُهم، أو تسلَّطَتْ عليهم شياطينُهم فجمحت بهم إلى زخارف الدنيا جاءهم ما يذكرهم ربهم، ويزيد في إيمانهم، ويُجَدِّد رغبتهم في الآخرة، كما في شهر رمضان الذي يعود كل عام، تنبعثُ فيه النفوس من كَسَلِها، ويتجدد نشاطها، وتقوى عزائمها، ويزداد إيمان المؤمِنينَ، وتَشْتَدّ رغبتهم فيما عند الله  تعالى فلا تراهم إلا رُكَّعًا سُجَّدًا، يذكرون الله – تعالى – ويتلون كتابه، ويُخْلِصُون الدعاء له وحده، ويرجُون رحمته، ويخافون عذابَه، مع محبة وخشوع وإنابة؛ فَتَزْكو نُفُوسُهم، وتَرِقّ قلوبهم، وتجود مدامعُهم، وترخص الدنيا في ميزانهم؛ فيرفع عنهم التحاسُد والتباغُض والتقاطُع؛ لأن الحسد والبغْضاءَ والقَطيعةَ أخلاقٌ فاسدةٌ، كان سببَها حبُّ الدنيا، وقد سَما بهم إيمانُهم عن الدنيا؛ فأصبحوا من طُلاَّب الآخرة.

إنك ترى مظاهر ذلك في رمضان أينما يَمَّمْتَ وجهك في بلد من بُلدان المسلمين، أو أي بقعة فيها مسلمون يصومون لله – تعالى – ويُصَلُّون.

ترى كَثْرة المتصدقِينَ، وتُشاهد مَوائدَ لإفطار الصائمينَ، وتَلْحَظ المواساة بين الناس. وهذا مقصدٌ عظيم من مقاصد الصوم، ومعنًى أراده الشارع الحكيم؛ ليُهَذِّب الأخلاق، ويسْمُوَ بنفوس الصائمِينَ؛ كما سئل أحد السلف: “لِمَ شُرع الصيام؟” قال: “ليذوق الغني طعم الجوع فلا ينسى الجائع”(لطائف المعارف: 315(.

ولو أن الناس كفوا أيديهم عن السائلين، وخالط الأغنياءُ الفقراءَ؛ لوقعت الزكوات والصدقات في أيدي من يَسْتَحِقُّها؛ ولقُضِيَ على مظاهر التسول المذموم.

أيها الصائم: اذكر حين تجتمع مع زوجك وأطفالك؛ لتَمْلَؤُوا بطونكم ريًّا وشبعًا، اذكر في تلك اللحظات جَوْع الجائعين، ولوعة المُلْتَاعينَ، وعبرات البائسينَ، واخش أن لا يتقبلَ الله لك صيامًا ولا طاعة، وحولك بُطونٌ جائعةٌ تستطيع إشباعها، ونفوس حائرة تملك إسعادها، واذكر قول رسول الله – صلى الله عليه وسلم :”ليس المؤمنُ الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم”( البخاري ).وتحرّ في صدقاتك أهل الحاجات، ولا تتخلص منها بإلقائها في يد أقرب سائل؛ فإن الذمة لا تَبْرأ إلا بعد الاجتهاد والتَّحَرِّي، واسأل أهل الخبرة في ذلك من الصالحين، والعاملينَ في مجالات البر والإحسان إن كنت تعجز عن البحث بنفسك. واجعل نصب عينك قول المولى – عز وجل -: “وَمَا تُقَدِّمُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ”(المزمل/20).

الخطبة الثانية :

الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمُرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعدُ فيا جماعة الإسلام

 إن الصيام طريقٌ إلى المُواساة، ومسلك من مسالك الإحسان. ومن حَقَّقَ الصيام الشرعي الذي أمره الله – تعالى – به، واجتنبَ ما يُخِلّ به من قول الفُحْش أو سماعه، أو النظر إلى الحرام أو فعله؛ فهو حَرِيّ أن يُواسي إخوانه، ويُحسن إلى الناس. قدوته في ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الذي كان الإحسانُ إلى الناس ومواساتُهم خُلُقًا من أخلاقه – عليه السلام – كما قال عثمان بن عفان – رضي الله عنه -: “إنا واللهِ قد صَحِبْنا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في السفر والحَضَر، يعود مَرْضانا، ويتبع جنائزنا، ويَغْزُو معنا، ويُواسينا بالقليل والكثير، وإن ناسًا يُعْلِمُوني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قَط”(أحمد).

وهكذا سار صحابتُه – رضي الله عنهم – والتابعون لهم بإحسان على هذا المنهج القويم من مُواساة إخوانهم، والإحسان إليهم، ويزداد هذا الخُلُق فيهم إذا كانوا صِيامًا؛ كما كان ابنُ عمر – رضي الله عنهما – يصوم ولا يفطر إلا مع المساكين، فإذا منعهم أهله عنه لم يَتَعَشَّ تلك الليلة! وكان إذا جاءه سائلٌ، وهو على طعامه أخذ نصيبه من الطعام، وقام فأعْطَاه السائلَ، فيرجع وقد أكل أهلُه ما بقيَ في الجَفْنَة، فيصبح صائمًا ولم يأكلْ شيئًا.

واشتهى أحد الصالحين طعامًا وكان صائمًا، فَوُضِع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلاً يقول: “من يُقرض الْمَلِيّ الوفِيّ الغني”، فقال: “عبده المعدم من الحسنات؛ فقام فأخذ الصَّحْفَة فخرج بها إليه، وبات طَاويًا“.

وجاء سائلٌ إلى الإمام أحمد – رحمه الله تعالى – فدفع إليه رغيفَيْنِ كان يعدهما لفطره، ثم طوى، وأصبح صائمًا.

قال الشافعي – رحمه الله تعالى -: “أُحِبُّ للرجل الزيادة بالجُود في شهر رمضان؛ اقتداءً برسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم؛ ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم” [لطائف المعارف: 315].

أخوة الإيمان والإسلام : 

إنَّ رمضان شهر المُواساة؛ فالشبعان من المسلمينَ يصوم ويجوع؛ ليُواسي إخوانه الجَوْعَى، ويُقَاسِمهم طعامه؛ ولربما لو لم يَصُمْ ولم يصبه الجوع ما تذكرهم.

وصاحب الثراء يصوم كذلك؛ ليتذكر حال إخوانه الفقراء والمُحْتاجِينَ؛ فيَدْفَع لهم زكاته، ويتصدق عليهم من فضول أمواله.

تفقد أصناف من البؤساء وألوان من التعساء ، فيهم فقراء لا مورد لهم ونسوة لا عائل لهنَّ ومشردون لا وطن لهم .

وكم في الناس من أثرياء كانوا من قبل فُقَراء مُعْدمِينَ قد ذَاقوا قرص الجوع، وأَلَم الحِرْمان، أنعم الله عليهم بالخير الوفير، فأصابهم الثراء بعد الفقر، فأسرفوا في رزق الله – تعالى – لهم، ولم يُؤَدُّوا حقه عليهم، ونَسُوا أن لهم إخوانًا لا زالوا يذُوقُون قرص الجوع الذي ذاقوه هم من قبلُ، ويُعالِجُون الفقر الذي أصابهم فيما مَضَى، فإذا ما صَامُوا وجاعوا تذكروا ماضيهم البَئِيس، وما أنعم الله عليهم به من الغنى والخير، فشكروا الله – تعالى – على ذلك، وتابوا من سرفهم، وواسَوا إخوانهم المحْرُومِينَ.

لنكن من المؤمنين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” ولا نكن ممن قال الله تعالى فيهم :” والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم” .

لنكن ممن قال الله تعالى فيهم : الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ “(البقرة/274).

وفي الحديث:”  من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإنّ الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل”.

ولنوقن أنّ الصدقة لا تنقص من أموالنا شيئاً فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:” ما نقصت صدقة من مال قط وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً وما تواضع أحد لله إلا رفعه”.

ويقول أيضاً صلوات الله وسلامه عليه :” من سرّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه”.

يتامى فقدوا أحضان من يرعاهم يتضورون جوعاً ، مشردون ولاجئون وغرباء وأبناء سبيل شردوا عن أوطانهم ما شردتهم إلا القوى الجائرة وما فرقتهم إلا السياسات الظالمة وما ضاعت حقوقهم إلا بالخيانات السافرة .

أين المحسنون الصالحون الصائمون الذين نفوسهم إلى الخير سباقة يؤمنون حقاً بأخوة الإسلام وحق الجوار ووشائج القربى ؟وهل يرحم الله من عباده إلا الرحماء يقول النبي صلى الله عليه وسلم “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

جاءت امرأة إلى سيدنا عبد الله بن جعفر رضي الله عنه فسألته فأعطاها وأجزل لها العطاء فعاتبه بعض أصحابه وقالوا له إنها لا تعرفك وقد كان يرضيها اليسير فقال : إن كانت ترضى باليسير فإني لا أرضى إلا بالكثير وإن كانت لا تعرفني فأنا أعرف نفسي وأعرف ربي.

أخوة الإيمان والإسلام :

الصوم حرمان مشروع لتشعر بحرمان المحرومين :إذا ما اقتربتِ الشمس من مغيبها، وتهيأَتِ الأسرة لإفطارها، ومُدَّتِ الموائد بأنواع الطعام والشراب هل تتذكر – أخي الصائم – إخوة لك شَرَّدَتْهُم قُوَى الظلم والطغيان فهم في العَراء، لا بُيوتَ تُكنُّهم، ولا لباس يَقِيهم بأسهم، يبيتون بلا طعام، ويتسحرون بلا سحور، ويفطرون على ماء، يتسولُون الجمعيات التنصيريَّة بُلْغَة من عيش، أو كفًّا من دقيق، أو رغيفًا من خبز، فلا تدفع إليهم إلا بعد مُساومتهم على دينهم، وعلى صلاتهم، وصومهم!!

إنهم إخوة لك قد شهدوا شهادة الحق، وصدقوا المرسلين، كان ثباتُهم على دينهم، ومطالبتهم بحقوقهم سببًا في تشريدهم من ديارِهم، وحشْرِهم في مَلاجِئ تفتقد ضروريات الحياة، فهلاَّ شعرت بهم وأنت تتهيأُ لإفطارك، واقتصدتَ في مائدتك، ودفعتَ إليهم حق الله – تعالى – عليك، وحق أُخُوَّتِهم لك، ورفعت أَكُفَّ الضراعة بالدعاء لهم؟!

فإن كنت في كل ليلة تفرح بفطرك، فإن تلك الفرحة قد نسوها مُذْ شُرِّدُوا من أوطانهم، أسأل الله – تعالى – أن يُفرِّجَ عنهم، وأن لا يحرمَهم الفرحة الثانية، كما أسأله – عز وجل – أن لا يعذبَنِي بنسيانهم، وأن لا يجعل فرحتي وإياك واحدة، وأن يجمع لي ولك بين الفرحتَيْنِ اللَّتين ذكرهما النبي – صلى الله عليه وسلم – بقوله: “للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح؛ وإذا لقي ربه فرح بصومه”( البخاري ومسلم ).

وأنا وأنت في كل يوم – بحمد الله وشكره – نحس الفرحة الأولى عند فطرنا، فعسى أن لا نُحْرَمَ الثانية بتقصيرنا في حق الآخرين .

 

 

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

وإن عدتم عدنا.. عن كشك الفتوى

كتب : عادل نعمان   المسئولون عن مترو الأنفاق تصرفوا فيه، وكأنه عزبة ورثوها كابراً …