الرئيسية / ارشيف الطليعة / خطبة الجمعة: ليلة القدر علامة للصلح وعدم التناحر

خطبة الجمعة: ليلة القدر علامة للصلح وعدم التناحر

خطبة الجمعة 1

يلقيها فضيلة الشيخ/ عبد الناصر بليح

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك لهفي سلطانه .. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلم تسلمًا كثيرًا.أما بعد فيا عباد الله :

إن مما خصَّ الله عزّ وجل من الأوقات بمزيد تفضيله، ووافر تكريمه شهر رمضان المبارك؛ حيث فضله سبحانه وتعالى على سائر الشهور، والعشر الأواخر من لياليه؛ حيث فضَّلها على سائر الليالي، وليلة القدر؛ حيث جعلها لمزيد فضلها عنده وعظيم مكانتها لديه خيرًا من ألف شهر، وفخَّم أمرها وأعلى شأنها، ورفع مكانتها عندما أنزل فيها وحيه المبين وكلامه الكريم، وتنزيله الحكيم هدًى للمتقين، وفُرْقانًا للمؤمنين، وضياءً ونورًا ورحمة؛ “إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ  أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ   لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ “(الدخان : 3 – 8).، ” إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ   وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ  تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ “( القدر/1 – 5).

ومعنى ( القدر ) التعظيم ، أي : أنها ليلة ذات قدر ومنزلة عالية لهذه الخصائص التي اختصت بها . أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر وشأن عظيم عند الله . وقيل من التقدير أي التضييق ، قال الخليل بن أحمد : إنما سميت ليلة القدر ، لأن الأرض تضيق بالملائكة لكثرتهم فيها تلك الليلة ، من ( القدر ) وهو التضييق ، قال تعالى :” وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه ” (الفجر /16). ، أي ضيق عليه رزقه . وقيل : القدر بمعنى القدَر – بفتح الدال – وذلك أنه يُقدّر فيها أحكام السنة كما قال تعالى : ” فيها يفرق كل أمر حكيم ” . ولأن المقادير تقدر وتكتب فيها فيما قدره الله علي العباد من الآجال والأرزاق .

فسماها الله تعالى ليلة القدر وذلك لعظم قدرها وجلالة مكانتها عند الله ولكثرة مغفرة الذنوب وستر العيوب فيها ، فهي ليلة المغفرة كما في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال : ” من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” .

فما أعظمها من ليلة، وما أجلها وما أكرمها، وما أوفر بركتها، ليلة واحدة خير من ألف شهر, وألف شهر – عباد الله – تزيد على ثلاثة وثمانين عامًا، فهي عمر طويل لو قضاه المسلم كله في طاعة الله – عزّ وجل – فليلة القدر وهي ليلة واحدة خير منه، وهذا فضل عظيم وإنعام كريم؛ قال مجاهد – رحمه الله -: ” لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ” ليست في تلك الشهور ليلة القدر وهكذا قال قتادة و الشافعي،وغيرهم.

خصائص ليلة القدر

أخوة الإيمان والإسلام ومن أهم خصائص هذه الليلة نزول القرآن فيها قال ابن عباس وغيره : أنزل الله القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من السماء الدنيا في شهر رمضان في ليلة القدر منه ، ثم نزل مفصلاً بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على رسول الله . وهذا جواب ابن عباس عندما سأله عطية بن الأسود فَقَالَ : وَقَعَ فِي قَلْبِي الشَّكّ قَوْل اللَّه تَعَالَى ” شَهْرُ رَمَضَان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ” وَقَوْله ” إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مُبَارَكَة ” وَقَوْله” إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقَدْر ” وَقَدْ أُنْزِلَ فِي شَوَّال وَفِي ذِي الْقِعْدَة وَفِي ذِي الْحِجَّة وَفِي الْمُحَرَّم وَصَفَر وَشَهْر رَبِيع فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : إِنَّهُ أُنْزِلَ فِي رَمَضَان فِي لَيْلَة الْقَدْر وَفِي لَيْلَة مُبَارَكَة جُمْلَة وَاحِدَة ثُمَّ أُنْزِلَ عَلَى مَوَاقِع النُّجُوم تَرْتِيلًا فِي الشُّهُور وَالْأَيَّام .

* وصْفها بأنها خير من ألف شهر أي تعدل أربعة وثمانين عاماً تقريباً  ، ووصفها بأنها مباركة  وفي هذه الليلة الكريمة المباركة يكثر تنزل الملائكة؛ لكثرة بركتها وعِظم خيرها، فالملائكة يتنزَّلون مع تنزل البركة والخير والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، وفي حِلَق الذكر، أي يكثر تنزل الملائكة في هذه الليلة لكثرة بركتها ، والملائكة يتنزلون مع تنزل البركة والرحمة ، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن ، ويحيطون بحِلَق الذِّكْر ، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم رضا بما يصنع ، يقول أبو هريرة : الملائكة في ليلة القدر في الأرض أكثر من عدد الحصى ، والروح هو جبريل عليه السلام وقد خصَّه بالذكر لشرفه

*وهي سلام حتى مطلع الفجر؛ يعني: أنها خير كلّها، ليس فيها شر إلى مطلع الفجر، أي ينبغي أن يسود السلام ربوع الأرض . ووصفها بأنها سلام  ، أي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا أو يعمل فيها أذى كما قال مجاهد ، ليلة أمان لا يعربد فيها شيطان ولا ينفذ فيها سحر ساحر ، وتكثر فيها السلامة من العقاب والعذاب ببركة ما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل .

*وفي هذه الليلة الكريمة المباركة ” يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ “(الدخان/ 4).  أي: يقدر فيها ما يكون في تلك السنة بإذن الله العزيز الحكيم، والمراد بالتقدير؛ أي: التقدير السنوي، وأما التقدير العام في اللوح المحفوظ، فهو متقدم على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما صحت بذلك الأحاديث، وقيل :” يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة وما يكون فيها من الآجال والأرزاق ، وما يكون فيها إلى آخرها ، كل أمر محكم لا يبدل ولا يغير ، وكل ذلك مما سبق علم الله تعالى به وكتابته له ، ولكن يُظهر للملائكة ما سيكون فيها ويأمرهم بفعل ما هم مكلفين به .

*ومن قام إيمانا واحتسابا غفر الله له ماتقدم من ذنبه كما جاء في حديث أبي هريرة عن النبي قال : ” من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ” متفق عليه . وقوله : ( إيماناً واحتساباً ) أي تصديقاً بوعد الله بالثواب عليه وطلباً للأجر لا لقصد آخر من رياء أو نحوه . فالعبادة يجب أن تترك أثرها في نفس العابد تواضعا ورحمة بالناس وشفقة علي عباد الله ، لا أن تصيبه بالانتفاخ الكاذب والكبر والاستعلاء واحتقار الآخرين ، فيري نفسه متهجدا قائما وغيره نائما ، يري نفسه معتمرا وغيره مشغولا في أسباب معاشه ، وهذه مداخل الشيطان لإفساد العمل .

**متي تكون ليلة القدر؟

عباد الله:وليلة القدر هي قَطْعًا في شهر رمضان المبارك؛ لقول الله تعالى :” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ “(البقرة : 185)، وهي أرجى ما تكون فيه في العشر الأواخر منه؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم -: “تحرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان”.

وطلبها في أوتار الشهر أكد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : “اطلبوها في العشر الأواخر في ثلاث يبقين أو سبع يبقين أو تسع يبقين”, وأرجى ليلة من تلك الليالي هي ليلة سبع وعشرين؛ لقول كثير من الصحابة: إنها ليلة سبع وعشرين؛ منهم: ابن عباس، وأُبَيّ بن كعب، وغيرهما. وإنما أخفى الله تعالى هذه الليلة ليجتهد العباد في طلبها ، ويجدّوا في العبادة ، كما أخفى ساعة الجمعة وغيرها .

 الحكمة من إخفائها:

أخوة الإيمان والإسلام :

أما الحكمة في عدم تعيينها بذاتها : فهي تعظيم الأجور لهذه الأمة بزيادة الطاعات والمنافسة في الخيرات ، كما أخفيت ساعة الإجابة في يوم الجمعة ، ليظل المؤمن مراقبا للزمن طائعا لربه أكبر فترة من الوقت راجيا عفو ربه وهذه حقيقة الافتقار والعبودية ، فلو تم تعيين ساعة الإجابة في يوم الجمعة وتعيين ليلة القدر في شهر رمضان فربما لن تجد أحدا يجتهد في الدعاء أو القيام إلا في الزمن الذي تم تعيينه.

فعدم تعيينها في النصوص أن يجتهد المسلمون في جميع العشر بطاعة الله – جلّ وعلا – بالتهجُّد وقراءة القرآن والإحسان، وليتبين بذلك النشيط والمجد في طلب الخيرات من الخامل الكسلان، ولأن الناس لو علموا عينها، لاقتصر أكثرهم على قيامها دون سواها، ولو علموا عينها ما حصل كمال الامتحان.

فينبغي للمؤمن أن يجتهد في أيام وليالي هذه العشر طلباً لليلة القدر ، اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وأن يجتهد في الدعاء والتضرع إلى الله .

 فطوبى لمن نال فيها سبق الفائزين، وسلك فيها بالقيام والعمل الصالح سبيل الصالحين، وويل لمن طرد في هذه الليلة عن الأبواب، وأغلق فيها دونه الحجاب، وانصرفت عنه هذه الليلة وهو مشغول بالمعاصي والآثام، مخدوع بالآمال والأحلام، مضيع لخير الليالي وأفضل الأيام، فيا عظم حسرته ويا شدة ندامته.

ليلة استجابة الدعاء

أخوة الإيمان والإسلام

والاجتهاد  في طلب تلك الليلة الشريفة المباركة أمر واجب ، وتحري خيرها وبركتها بالمحافظة على الصلوات المفروضة، وكثرة القيام وأداء الزكاة، وبذل الصدقات وحفظ الصيام، وكثرة الطاعات واجتناب المعاصي والسيئات، والندم والتوبة من الذنوب والخطايا، والإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن، ويستحب للمسلم أن يكثر فيها من الدعاء؛ لأن الدعاء فيها مستجاب، وليتخير من الدّعاء أجمعه؛ فعن عائشة – رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها، قال: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عنِّي” ( أحمد ، والترمذي وابن ماجة  وسنده صحيح )., فإن هذا الدعاء عظيم المعنى عميق الدلالة، وهو مناسب لهذه الليلة غاية المناسبة، فهي الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، ويقدر فيها أعمال العباد لسنة كاملة حتى ليلة القدر الأخرى، فمن أعطي في تلك الليلة العافية، وعفا عنه ربُّه، فقد أفلح غاية الفلاح، ومن أعطي العافية في الدنيا وأعطيها في الآخرة فقد أفلح، والعافية لا يعدلها شيء؛ وروى الترمذي في سننه عن العباس بن عبد المطلب – رضي الله عنه – قال: قلت: يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله – عزّ وجل – قال:”سل الله العافية”, فمكثت أياما، ثم جئت، فقلت: يا رسول الله، علمني شيئًا أسأله الله، فقال لي: “يا عبَّاس، يا عمّ رسول الله، سل الله العافية في الدنيا والآخرة”, فأكثروا – عباد الله – من سؤال الله العفو والعافية، ولا سيَّما في هذه الليالي الشريفة الفاضلة، واعلموا أن الله – تبارك وتعالى – عفو غفور؛ ” وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ “(الشورى /25).  فلم يزل – سبحانه وتعالى – ولا يزال بالعفو معروفًا, وبالغفران والصفح عن عباده موصوفًا، وكل أحد مضطر إلى عفوه ومغفرته، كما هو مضطر إلى رحمته وكرمه

العلامات التي تعرف بها ليلة القدر :

عباد الله : وهناك علامات تعرف بها ليلة القدر من بين سائر الليالي منها:

العلامة الأولى : ثبت في صحيح مسلم من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن من علاماتها أن الشمس تطلع صبيحتها لا شُعاع لها “( مسلم).  

العلامة الثانية : ثبت من حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ليلة القدر ليلة طلقة ، لا حارة ولا باردة ، تُصبح الشمس يومها حمراء ضعيفة “( صحيح ابن خزيمة  ومسند الطيالسي ).

العلامة الثالثة : روى عن  واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ليلة القدر ليلة بلجة ” أي مضيئة ” ، لا حارة ولا باردة ، لا يرمى فيها بنجم ” أي لا ترسل فيها الشهب ” ( الطبراني في الكبير وأحمد) .

فهذه ثلاثة أحاديث صحيحة في بيان العلامات الدالة على ليلة القدر .ولا يلزم أن يعلم من أدرك وقامها ليلة القدر أنه أصابها ، وإنما العبرة بالاجتهاد والإخلاص ، سواء علم بها أم لم يعلم ، وقد يكون بعض الذين لم يعلموا بها أفضل عند الله تعالى وأعظم درجة ومنزلة ممن عرفوا تلك الليلة وذلك لاجتهادهم  

ليلة القدر علامة للصلح وعدم التناحر:

 أخوة الإيمان والإسلام :

إن ديننا الإسلامي دين يتشوّف إلى الصلح ويسعى له وينادي إليه ، وليس ثمة خطوة أحب إلى الله عز وجل من خطوة يصلح فيها العبد بين اثنين ويقرب فيها بين قلبين ، فبالإصلاح تكون الطمأنينة والهدوء والاستقرار والأمن وتتفجر ينابيع الألفة والمحبة .   والإصلاح بين الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اللذين فرضهما الله علي المسلمين ..وهو أفضل عند الله من الصيام والصلاة والصدقة قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :”ألا أخبركم علي ما هو أفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة قالوا بلي :”قال :إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هو الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن أقول تحلق الدين “. والأمر بإصلاح ذات البين في القرآن الكريم ورد في مواضع عديدة منها:

قال تعالى “: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَو ْمَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا”(النساء/114(.قال تعالى”إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ”(الحجرات/10(.وقال تعالي:”فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ”(الأنفال/1).

وقد كانت ليلة القدر علامة فارقة في هذا التنازع والشقاق والبغضاء تحذر الأمة من نيرانها ..وأما التحذير والنصيحة للأمة : أن الشحناء والبغضاء وفساد ذات البين سبب لرفع بركة العلم ومحق نوره من الصدور ونسيانه بعد إتيانه ، وهذه من الموانع التي تمنع رفع الأعمال الصالحة إلي الله ومنها الظلم وعقوق الوالدين وقطيعة الأرحام . . وفي صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا ليلة القدر فتلاحى “أي تخاصم وتنازع ” رجلان من المسلمين ، فقال : ” خرجت لأخبركم بليلة القدر ، فتلاحى فلان وفلان فرُفعت ، وعسى أن يكون خيراً لكم ، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة “أي في الأوتار” ( البخاري) .وفي هذا الحديث دليل على شؤم الخصام والتنازع ، وبخاصة في الدِّين وأنه سبب في رفع الخير وخفائه .

ولا ريب أن الشقاق والخلاف من أخطر أسلحة الشيطان الفتاكة الَّتي يوغر بها صدور الخلق، لينفصلوا بعد اتحاد ، ويتنافروا بعد اتفاق ، ويتعادوا بعد أُخوَّة ، وقد اهتمَّ الإسلام بمسألة احتمال وقوع الخلاف بين المؤمنين وأخذها بعين الاعتبار ؛ وذلك لأن المؤمنين بَشَر يخطئون ويصيبون ، ويعسر أن تتَّفق آراؤهم أو تتوحَّد اتجاهاتهم دائماً ، ولهذا عالج الإسلام مسألة الخلاف على اختلاف مستوياتها بدءاً من مرحلة المشاحنة والمجادلة ، ومروراً بالهجر والتباعد ، وانتهاءً بمرحلة الاعتداء والقتال .

إن المكــارم كلها لو حصلت …… رجــعت جمــلتها إلى شـيئين

تعظـيم أمـر الله جـل جـلالـه …… والسعي في إصلاح ذات البيـن

 فالإصلاح عزيمة راشدة ونية خيرة وإرادة مصلحة ، والأمة تحتاج إلى إصلاح يدخل الرضا على المتخاصمين ، ويعيد الوئام إلى المتنازعين ، إصلاح تسكن به النفوس وتأتلف به القلوب ، ولا يقوم به إلا عصبة خيرة من خلق الله ، شرفت أقدارهم ، وكرمت أخلاقهم ، وطابت منابتهم ، وللإصلاح فقه ومسالك دلت عليها نصوص الشرع وسار عليها المصلحون المخلصون .

لذلك كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يدعوا للصلح ولايكتفي بالدعوة بل كان ينزل بين الناس ليصلح بينهم فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ أَهْلَ قُبَاءٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى تَرَامَوْا بِالْحِجَارَةِ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِنَا نُصْلِحُ بَيْنَهُمْ”( البخاري).

ويصلح بينهم في النزاع والخصومات ، عن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت : سَمِع رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتَ خُصُومٍ بِالْبَابِ عَالِيَةٍ أَصْوَاتُهُمَ ، وَإِذَا أَحَدُهُمَا يَسْتَوْضِعُ الآخَرَ وَيَسْتَرْفِقُهُ فِي شَيْءٍ وَهُوَ يَقُول:ُ وَاللَّهِ لا أَفْعَلُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَ أَيْنَ الْمُتَأَلِّي عَلَى اللَّهِ لا يَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ ؟ فَقَالَ : أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَهُ أَيُّ ذَلِكَ أَحَبَّ “( البخاري(.

ولو كانت العبادات خير من المعاملات بين الناس ماترك عبد الله بن عباس الاعتكاف وخرج مع الرجل ليقضي له حاجاته عند رجل أخر .، فعَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ جَلَسَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَا فُلانُ أَرَاكَ مُكْتَئِبًا حَزِينًا ، قَالَ : نَعَمْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ لِفُلانٍ عَلَيَّ حَقٌّ ، لا وَحُرْمَةِ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَفَلا أُكَلِّمُهُ فِيكَ ، قَالَ : إِنْ أَحْبَبْتَ ، قَالَ : فَانْتَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ : أَنَسِيتَ مَا كُنْتَ فِيهِ ، قَالَ : لا وَلَكِنِّي سَمِعْتُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَهْدُ بِهِ قَرِيبٌ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : ” مَنْ مَشَى فِي حَاجَةِ أَخِيهِ وَبَلَغَ فِيهَا كَانَ خَيْرًا مِنِ اعْتِكَافِ عَشْرِ سِنِينَ ، وَمَنِ اعْتَكَفَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ ثَلاثَ خَنَادِقَ أَبَعْدَ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ ” (البخاري).

الله يصلح بين المؤمنين .

ومن عظيم بركة الرب وعفوه ورحمته أنه يصلح بين المؤمنين يوم القيامة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه ، فقال له عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ فقال : رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة ، فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي ، فقال الله ـ تبارك وتعالى ـ للطالب : فكيف تصنع بأخيك ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال : يا رب فليحمل من أوزاري ، قال : وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال : إن ذاك اليوم يحتاج الناس إلى من يُحمل عنهم من أوزارهم ، فقال الله تعالى للطالب : ارفع بصرك فانظر في الجنان ، فرفع رأسه فقال : يا رب أرى مدائن من ذهب وقصور من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا ؟ أو لأي صديق هذا ؟ أو لأي شهيد هذا ؟ قال : هذا لمن أعطى الثمن ، قال : يا رب ومن يملك ذلك ؟ قال : أنت تملكه ، قال : بماذا ؟ قال : بعفوك عن أخيك ، قال : يا رب فإني قد عفوت عنه ، قال الله عز وجل : فخذ بيد أخيك فأدخله الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك ” اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم ، فإن الله يصلح بين المؤمنين ” (رواه الحاكم وقال : صحيح الإسناد).

الخطبة الثانية

الحمد لله عظيم الإحسان، واسع الفضل والجود والامتنان، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.أما بعد:فيا عباد الله:

إن أيام رمضان كلها غالية ، أوله وأوسطه وآخره ، والذي يميز العشر الأواخر منه ثلاثة أمور :• أنها مظنة ليلة القدر .• تخصيص الرسول لها بالاعتكاف والخلوة والاجتهاد وإيقاظ أهله .• فرصة لمن فرط في أول رمضان أن يختمه بخير العمل رجاء القبول والعتق من النار .

وقد كان النبي – صلى الله عليه وسلم – يخص هذه العشر بالاجتهاد في العمل أكثر من غيرها، كما في صحيح مسلم عن عائشة – رضي الله عنها -: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يجتهد في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في غيرها، وفي الصحيحين عنها قالت: كان النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا دخل العشر، شد مئزره وأحيى ليله وأيقظ أهله.وهذا شامل بالاجتهاد فيها بكل طاعة وكل عبادة تقرِّب إلى الله – جلّ وعلا – بقراءة القرآن الكريم، والإكثار من ذكر الله تعالى والصلاة والاعتكاف والصدقة، وبذل الخير وصلة الأرحام، والإحسان إلى عباد الله، وغير ذلك من الأعمال الصالحات، والطاعات المقربة إلى الله – جلّ وعلا – وقد كان صلوات الله وسلامه عليه يتفرَّغ في هذه العشر لتلك الأعمال، فينبغي علينا الاقتداء بالنبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك، كما ينبغي – عباد الله – العناية بإيقاظ الأهل والأولاد، العناية بإيقاظ الأهل والأولاد وحثهم وتشجيعهم؛ ليشاركوا المسلمين في إظهار هذه الشعيرة، ويشتركوا معهم في الأجر، ويتربوا على طاعة الله وعبادة الله.

إخراج زكاة الفطر:

أخوة الإيمان والإسلام :

شُرع لنا الاستغفار بعد الطاعات مما يكون قد شابها من قصور وغفلة وسهو وتفريط ، فبعد الفراغ من الصلاة وعقب التسليم من التشهد أول ما نقول هو : أستغفر الله أستغفر الله ، فنحن لم نخرج من معصية لنستغفر ، وإنما نستغفر من سهو وغفلة لا تليق بوقوفنا بين يدي الله ، وعقب الإفاضة من عرفات رغم أن من شهد الموقف خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، ولكن انظر إلي توجيه القرآن : ” ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ” ، وكذلك بعد الصيام شُرعت زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين ، ففيها تطهير للعابدين وفيها تواصل ورحمة بالمؤمنين .فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِىَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِىَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ “(البخاري). .

ويُخْرِجُ المسلمُ صدقةَ الفطرِ عنْ نفسِهِ وعنْ مَنْ تلزمُهُ نفقتُهُ، يدفعُهَا إلَى مَنْ يَجوزُ لهُ أخذُهَا ، وهيَ صاعٌ منْ غالبِ قُوتِ البلدِ .

و عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلاَةِ”(البخاري).

أخوة الإيمان والإسلام :

من لم يربح في هذه الليلة الكريمة ففي أي وقت يربح؟ومن لم ينب إلى الله في هذا الوقت الشريف، فمتى ينيب؟ ومن لم يزل متقاعدًا فيها عن الخيرات، ففي أي وقت يعمل؟.

لكل شيء نهاية وخير كل شيء في آخره إذ فيه تدارك ما فات بالاستكثار مما هو آت وكذلك رمضان فخيره في آخره فأوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار ولذلك كان خصائص العشر الأخيرة من شهر رمضان نعم لا تعد ولا تحصي.

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

وإن عدتم عدنا.. عن كشك الفتوى

كتب : عادل نعمان   المسئولون عن مترو الأنفاق تصرفوا فيه، وكأنه عزبة ورثوها كابراً …