الرئيسية / ارشيف الطليعة / خطبة الجمعة : نعمة الشكر

خطبة الجمعة : نعمة الشكر

خطبة الجمعة 1
يلقيها / فضيلة الشيخ عبد الناصر بليح
الحمد لله رب العالمين، حمد الذاكرين الشاكرين الموحدين بالله رب العالمين وأشهد ان لاإله إلا الله وحده لاشريك له في سلطانه ولي الصالحين .. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه طب القلوب ودوائها وعافية الأبدان وشفائها ونور الأبصار وضيائها محمد صلي الله عليه وسلم القائل :” الإيمان نصفان نصفه صبر ونصفه شكر” اللهم صلاة وسلاماص عليك ياسيدي يارسول الله وعلي آبك وصحبك وسلم ..أما بعد فياجماعة الإسلام . إن الشكر سبب لزيادة النعم، ودفع النقم، واستجلاب البركات، وتكثير العطيات من ربنا الواحد رب البريات، يقول ربنا جل في علاه في كتابه الكريم: ” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ”(إبراهيم:/7).

قال بعض العارفين بالله: لئن شكرتم نعمتي لأزيدنكم طاعتي, ولئن شكرتم طاعتي لأزيدنكم خلوتي, ولئن شكرتم خلوتي لأزيدنكم قربي, ولئن شكرتم قربي لأزيدنكم الغنى, ولئن شكرتم الغنى لأزيدنكم معرفتي, ولئن شكرتم معرفتي لأزيدنكم رؤيتي ووصالي, فزيادة كل مقام بمقدار ذلك المقام.

إنسان شكر أنه أعانه الله على طاعته, الآن الشكر على الطاعة يسبب قرباً. هذه الخلوة؛ أنا جليس من ذكرني, وحيث ما التمسني عبدي وجدني. إن شكرته على القرب فيما بينك وبينه زادك غنى, الغنى حالة راقية جداً, أن تستغني بالحق عن الخلق, المؤمن عزيز النفس؛ المؤمن لا يتذلل لأحد, لا يتضعضع لأحد, لا يصغر أمام أحد, أغناه الله عن الخلق, فالغنى أن تستغني بالحق عن الخلق. لئن شكرتم الغنى لأزيدنكم معرفتي. ** الحمد لله علي نعمة الإسلام وكفي بها تعمة :أفضل شيء نشكر الله عليه هو أن هدانا لنعمة الإسلام و الحقيقة أيها الأخوة الأكارم أن المعرفة شيء ثمين, والشيء الذي يرجح بين المؤمنين هو معرفة الله عز وجل. وقد أنعم الله عز وجل علينا بسائر النعم، وأسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنه: “أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ”(لقمان:20)، ومن أعظم تلك النعم، وأجزل العطايا؛ أن هدانا سواء السبيل، واختارنا واصطفانا من بين كثير من الأمم أن نكون مسلمين، وأكمل لنا هذا الدين فقال سبحانه: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً”(المائدة:3)، ثم جعلنا أتباعاً لمحمد صلى الله عليه وسلم من الأمة المهدية المرضية، خير أمة أخرجت للناس: ” كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ”(آل عمران:110).

نعم أنعم الله تعالى على الإنسان بنعم لا حصر لها، فما زال كل واحد منا يتقلب في نعم الله وفضائله، فهو سبحانه من أنعم علينا بالسمع و البصر حين حُرمها كثير من الناس، وأنعم علينا بالعقل و الصحة و المال والأهل، بل سخر لنا الكون كله بشمسه وسمائه وأرضه ومخلوقاته {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهاَ} (النحل: 18).

الإسلام أعظم نعمة في الوجود.

ولكن كل هذه النعم تنتهي بانتهاء حياتنا القصيرة.. أما النعمة الوحيدة التي تثمر السعادة والطمأنينة في الدنيا ويمتد أثرها إلى الآخرة، فهي نعمة الهداية للإسلام، وهي أكبر نعمة أنعم الله بها على عباده.

ولهذا نسب الله هذه النعمة إليه سبحانه تشريفاً لها عن غيرها من النعم، فقال سبحانه:”الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينً”(المائدة: 3).

وما أعظم نعمة الله على الإنسان حين يخرجه من الظلمات إلى النور ويهديه للدين الذي ارتضاه له، ليحقق المقصد والوظيفة التي خلق من أجلها وهي عبادة الله، فينال سعادة الدنيا وحسن ثواب الآخرة.

وما أعظم منة الله وفضله علينا حين يصطفينا ويختارنا لنكون من خير أمة أخرجت للناس لنحمل كلمة لا إله إلا الله، التي بعث الله بها كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ولما ظن بعض الجهلة أن الفضل لهم في إسلامهم وجعلوا يمتنون بذلك على النبي صلى الله عليه وسلم نبههم أن الفضل والمنة كلها لله بأن يسر لهم الهداية لهذا الدين، فقال الله تبارك وتعالى: “يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ” (الحجرات: 17).

فنعم الله تعالى كثيرة، ومع هذا فالنعمة الوحيدة التي ذكر الله منَّه بها علينا هي نعمة الإسلام والهداية لعبادته وتوحيده.

أخوة الإيمان : ولئن شكرتم البلاء لأزيدنكم بلاء، العلماء قالوا: البلاء على ثلاثة أنواع؛ أحدها الانتقام, وعلامته ضيق الصدر, وشكوى للخلق, إذاً البلاء انتقام من الله وعقاب يرافقه ضيق شديد, والإنسان يضجر ويشتكي, وهناك بلاء لتكفير الذنوب, علامته ضيق القلب من دون شكوى للخلق, وهناك ابتلاء لرفع الدرجات, قال: هذا لا يصحبه لا ضيق نفس ولا شكوى للخلق. وهذه علامة دقيقة. إنسان أصيب بمصيبة, المؤمن يصاب أحياناً بمصيبة، فشكر وصبر كان خيراً له قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:” عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ “(مُسْلِمٌ). والمعنى أنَّ المؤمنَ الكاملَ في الحالَينِ عَلَى خَيرٍ هُوَ عِنْدَ اللهِ إِنْ أصَابتهُ نِعْمَةٌ بَسْطٌ وَرَخَاءٌ في الرِّزْقِ وغيرِ ذلكَ يَشْكُرُ اللهَ وإنْ أصَابَتهُ ضَرَّاءٌ أيْ بليةٌ ومُصِيبةٌ يصْبرُ ولا يَتسَخّطُ عَلى ربِّه بلْ يَرْضَى بقَضَاءِ ربِّه فيكونُ لهُ أجْرٌ بهذِهِ المصيبةِ. ومَعْنَى الشكْرِ هو أنْ يَصْرِفَ الإِنسَانُ النعَمَ التي أعْطَاهُ اللهُ فيمَا يحبُّ اللهُ ليسَ فيمَا حَرَّمَ اللهُ، وليسَ الشكرُ مجرد أنْ يفرحَ الإنسانُ بالنعَمِ التي يَنَالُها ويقولَ إذا فَرِحَ الحمْدُ للهِ والشكرُ للهِ، لا يكونُ العبدُ بهَذا شَاكرًا للهِ.

قال بعضهم: لئن شكرتم الإسلام لأزيدنكم الإيمان، إذا كان الإنسان منصاعاً لأمر الله, شكر ما هو فيه, فالله عز وجل يرقيه إلى درجة الإيمان.

ولئن شكرتم الإيمان لأزيدنكم الإحسان، معلوم عندكم أنه يوجد عندنا إسلام, وإيمان, وإحسان؛ الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك؛ فإذا الإنسان شكر طاعته لله, نقله الله إلى الإيمان, فإن شكر الإيمان, نقله الله إلى الإحسان. ولئن شكرتم الإحسان لأزيدنكم العرفان، معرفة الله أعلى مقام؛ فالشاكر في مزيد, والشكَّار -كثير الشكر- في مزيد المزيد, والشكور في نهاية المزيد.

عباد الله: ألا وإن نعم الله كثيرة لا تحصى، وإحسانه وتفضله على جميع خلقه أمرٌ لا ينسى: “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ”(إبراهيم:34)، “وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ “(النحل:18)، ومن تلك النعم نعمة اكتمال حواسنا من سمع وبصر وأفئدة: “قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ”(الملك:23)، ثم تأتي نعمتا الأمن من الخوف، والإطعام من الجوع، ولا يعرف قدر هاتين النعمتين إلا من فقدهما، ومن نظر إلى الأمم من حوله عرف معنى الكلام، فكم من حروب دمَّرت الحرث والنسل ونسفت، وكم من مجاعات أكلت كثيراً من الخلق وأبادت.

أخوة الإيمان والإسلام :

وإن شُكرَ الله تعالى على نعمِه التي لا تعَدّ ولا تُحصَى أوجبُ الواجبات، وآكَد المفروضات قال الله تعالى: “وَوَصَّيْنَا ٱلإِنْسَـٰنَ بِوٰلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ في عَامَيْنِ أَنِ ٱشْكُرْ لي وَلِوٰلِدَيْكَ إِلَىَّ ٱلْمَصِيرُ”(لقمان:14)، وقال تعالى: “وَٱشْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ”(النحل:114)، حيث بشكره يكون الحفاظ عليها، وبدوام طاعته وعبادته والقرب منه يكون الاستمرار فيها.

وقد امتنَّ الله تعالى على كثير من عباده فأعطاهم من كريم السجايا، وعظيم الصفات؛ ما علت به أقدارهم، وسمت به منازلهم، وارتفعت به درجاتهم عند ربهم سبحانه وتعالى، ومن أجلِّ هذه الصفات قدراً، وأعظمها أثراً؛ صفة الشكر؛ وهي ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافاً، وعلى قلبه محبة وشهوداً، وعلى جوارحه طاعة وانقياداً، وهو دليل على كمال العقل، وصلاح القلب، وصحة النفس، وسلامة الصدر.

وأعظم الشّكرِ الإيمان بالله تعالى، وأداء فرائضه وواجباته، والبعدُ عن محرّماته، ثمَّ شكر بقيّة النّعم إجمالاً وتفصيلاً، كما أنّ أعظمَ كفرانِ النّعم؛ الكفر بالرسالةِ بالإعراض عن الإيمان بالله وحده، وترك فرائض الله وواجباتِه، وفِعل المعاصي، ثمّ كفران بقيّة النّعم.

وقد جاء في كتاب الله الأمر به؛ كما جاء النهي عن ضده أي الكفران وجحود النعم، وعدم الإقرار بها أو استعمالها فيما يكره المنعم جل وعلا فقال سبحانه: “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ”(البقرة:152)، وجاء فيه أيضاً الثناء على أهل الشكر حيث وصف به أفضل خلقه فقال عن خليله إبراهيم عليه السلام: “إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ”(النحل:120-121)، وقال عن نوح عليه السلام: “إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً”(الإسراء:3)، أي كثير الشكر يحمد الله على كل حال. فكان إذا شرب قال الحمد لله الذي سقاني بعد أن كنت عطشاناً وإذا أكل قال الحمد لله الذي أطعمني بعد أن كنت جوعاناً وإذالبس ثياباً قال الحمد لله الذي كسلتي بعد أن كنت عرياناً.

وأخبر سبحانه أن المنتفع بآيات الله وآلائه الكونية والشرعية هم الشاكرون فقال سبحانه: “أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ”(لقمان:31)، وقال عز وجل: “إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ”(الشورى:33). والشكرثلاث حالات : أول حالة حينما تعزو هذه النعمة إلى الله, فهذا أحد أنواع الشكر؛ إذا قلت: الله عز وجل أكرمني بالصحة, معنى هذا أنك عزوتها إلى صاحبها, وإذا امتلأ قلبك امتناناً بالشكر, فهذه نعمة ثانية, أما حينما ترد على النعمة بعمل صالح فهذا أعلى أنواع الشكر, لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ وعليه فأن الشكر ثلاثة أضراب: الأول: شكر القلب، وهو تصور النعمة وتيقنها أنها منه سبحانه. والثاني: شكر اللسان: وهو الثناء على المنعم بما هو أهله. والثالث: شكر الجوارح: وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقه، وذلك بالقيام بحقه، والاجتهاد في طاعته، وإخلاص العمل من أجله قال الله عز وجل: “اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ”(سبأ/13).
وقال القائل:
أفادتكم النعماء مني ثلاثـة ***يدي ولساني والضمير المحجبا
وعن عائشة رضي الله عنها: “أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقالت عائشة: لم تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: “أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً”( البخاري ومسلم برقم) فدل على أن العمل بالطاعة شكر لله عز وجل.

واسمع إلى كلام الغزالي رحمه الله حيث يقول: “الشكر ينتظم من علم وحال وعمل، فالعلم هو الأصل فيورث الحال، والحال يورث العمل، فأما العلم فهو معرفة النعمة من المنعم، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه، وهذا العمل يتعلق بالقلب وباللسان وبالجوارح، أما بالقلب فقصد الخير، وإضماره لكافة الخلق، وأما باللسان فإظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة عليه، وأما بالجوارح فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته، والتوقي من الاستعانة بها على معصيته” .

وقد مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهج سلفه من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام في ملازمة الشكر على كل حال، فها هو يسأل ربه عز وجل أن يجعله كثير الشكر، مداوماً عليه فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: “رب أعني ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسر الهدى إليَّ، وانصرني على من بغى عليَّ، رب اجعلني لك شكاراً، لك ذكاراً، لك رهاباً، لك مطواعاً، إليك مخبتاً، لك أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي”(أحمد).

ويوصي النبي عليه الصلاة والسلام معاذ بن جبل رضي الله عنه بالشكر وملازمته يقول معاذ: “أخذ بيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:”إني لأحبك يا معاذ”، فقلت: وأنا أحبك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فلا تدع أن تقول في كل صلاة: رب أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك”(أبو داود).

عباد الله: واعملوا أن من أسباب وقوع العذاب، وحلول النقمة والعقوبة على الأفراد والمجتمعات؛ كفر نعم الله تعالى، وعدم شكرها والرضا بها، وجحودها وإنكارها كما قص الله علينا هذا في قوله تعالى: “وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ”(النحل:112) قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: “وهذه القرية هي مكة المشرفة التي كانت آمنة مطمئنة لا يهاج فيها أحد، وتحترمها الجاهلية الجهلاء، حتى إن أحدهم يجد قاتل أبيه وأخيه فلا يهيجه مع شدة الحمية فيهم، والنعرة العربية، فحصل لها من الأمن التام ما لم يحصل لسواها، وكذلك الرزق الواسع، كانت بلدة ليس فيها زرع، ولا شجر، ولكن يسر الله لها الرزق يأتيها من كل مكان، فجاءهم رسول منهم يعرفون أمانته وصدقه، يدعوهم إلى أكمل الأمور، وينهاهم عن الأمور السيئة؛ فكذبوه وكفروا بنعمة الله عليهم، فأذاقهم الله ضد ما كانوا فيه، وألبسهم لباس الجوع الذي هو ضد الرغد، والخوف الذي هو ضد الأمن، وذلك بسبب صنيعهم وكفرهم، وعدم شكرهم”6.

وما قصة أهل سبأ عنا ببعيد قال الحق تبارك وتعالى: “لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}(سبأ:15-19) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: “كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس صاحبة سليمان منهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم، وعيشهم واتساع أرزاقهم، وزروعهم وثمارهم، وبعث الله إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه، ويشكروه بتوحيده وعبادته؛ فكانوا كذلك ما شاء الله، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل، والتفرق في البلاد شذر مذر”( تفسير ابن كثير (6/504

علامة شكر المرء إعلان شكره ومن شكر المعروف منه فما كفر واعلموا “أنه لم يقصر بالخلق عن شكر النعمة إلا الجهل والغفلة، فإنهم منعوا بالجهل والغفلة عن معرفة النعم، ولا يتصور شكر النعمة إلا بعد معرفتها، ثم إنهم إن عرفوا نعمة ظنوا أن الشكر عليها أن يقول بلسانه: الحمد لله، الشكر لله، ولم يعرفوا أن معنى الشكر أن يستعمل النعمة في إتمام الحكمة التي أريدت بها وهى طاعة الله عز وجل، فلا يمنع من الشكر بعد حصول هاتين المعرفتين إلا غلبة الشهوة، واستيلاء الشيطان”

عباد الله: استقيموا على صراط الله، واتبعوا سنة نبيكم الموصوف بالخُلُقِ العظيم، واحذروا الشيطان والهوى فإنه يريد أن يجعل الأعمال الصالحة هباءً منثوراً، فاستعينوا عليه بالله، وردّوه خائباً مدحوراً بالمداومة على الطاعة، والبعد عن كل معصية قال الله تعالى: “يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُواْ أَعْمَـٰلَكُمْ”(محمد:33)، وقال تعالى: “يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ *إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ”(فاطر:5-6)، واعلموا أنكم على ربكم تعرضون، وبأعمالكم مجزيّون، وعلى زمن الإمهال والتفريط نادمون فعن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحُها، وخالقِ الناس بخلق حسن”(الترمذي).

الخطبة الثانية:
فالله غني عن طاعاتنا وعباداتنا، قال عز وجل ـ:”وَمَن يَشْكُرْ فَإنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ”[لقمان: 12]، وقال تعالى ـ:”إن تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ”[الزمر: 7] ،والمؤمن مع شدة إقباله على الطاعات، والتقرب إلى الله بأنواع القربات؛ إلا أنه مشفق على نفسه أشد الإشفاق، يخشى أن يُحرم من القبول، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سألت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن هذه الآية:”وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ” [المؤمنون: 60]
أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟! قال: “لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلّون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات”.
فعلى الرغم من حرصه على أداء هذه العبادات الجليلات فإنه لا يركن إلى جهده، ولا يدل بها على ربه، بل يزدري أعماله، ويظهر الافتقار التام لعفو الله ورحمته، ويمتلئ قلبه مهابة ووجلاً، يخشى أن ترد أعماله عليه، والعياذ بالله، ويرفع أكف الضراعة ملتجئ إلى الله يسأله أن يتقبل منه.

عباد الله: إن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وثلث بخلقه من جنه وإنسه فقال تعالى: “إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً”(الأحزاب:56)، ألا فصلوا وسلموا على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

وزير التعليم يؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية بأسس جديدة

وزير التعليم  يؤكد أهمية بناء منظومة تعليمية بأسس جديدة       كتبت ناريمان حسن …