الرئيسية / أحداث وتقارير / دراسة وثائقية عن حرب السادس من أكتوبر – تشرين التي خاضتها القوات المسلحة العربية بقيادة مصر وسوريا

دراسة وثائقية عن حرب السادس من أكتوبر – تشرين التي خاضتها القوات المسلحة العربية بقيادة مصر وسوريا

%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%af%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b5%d8%b1%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%82%d8%a7%d8%aa%d9%84-%d9%86%d8%b5%d8%b1-%d8%a7%d9%83%d8%aa%d9%88%d8%a8%d8%b1
عرض وتقديم/ عمرو عبدالرحمن
بمناسبة الذكرى (43) لحرب تشرين التحريرية – حرب السادس من أكتوبر – التي خاضها كل من الجيش العربي الأول السوري والجيشين العربيين الثاني والثالث المصريين ، أعد العميد الركن الدكتور رزق الياس، الذي ساهم في هذه الحرب كضابط أركان في إدارة الاستطلاع ، دراسة وثائقية عنها بغية الاطلاع والاستفادة.

 

t4

مقدمة:

أطلق العديد من المؤرخين العسكريين على حرب تشرين التحريرية سنة 1973 مصطلح “الحرب العربية الأولى” مقارنة بالحروب الثلاثة التي سبقتها ( حرب 1948، حرب 1956، حرب 1967)، والتي كانت إسرائيل في هذه الحروب هي المبادرة بينما كان العرب في حالة من ردة الفعل ومجابهة العدوان.

 

t7

 

في حرب سنة 1967 بوغتت الدول العربية الثلاث مصر وسورية والأردن بعدوان إسرائيلي استهدف تدمير القوات المسلحة للدول الثلاث واحتلال كامل فلسطين وسيناء والجولان وفرض شروط استسلامية على العرب.

فوجئت إسرائيل بالقرار العربي ( القمة العربية في الخرطوم ) القاضي بإزالة آثار العدوان وعدم الاعتراف والتفاوض والصلح معها، فوقفت ضد كل المبادرات السلمية القائمة على تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 القاضي بالانسحاب الكامل من الأراضي العربية التي احتلت في عدوان سنة 1967 وإقامة السلام العادل والدائم.

كما حاولت إسرائيل الخروج منتصرة من حرب الاستنزاف التي خاضتها القوات السورية والمصرية وعناصر منظمة التحرير الفلسطينية ضد القوات الإسرائيلية التي بدأت بتثبيت وجودها العسكري والاستيطاني في الأراضي العربية المحتلة، وظلت هذه الحرب قائمة على الجبهة السورية تخبو تارة وتتصاعد تارة أخرى منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 وحتى نشوب حرب تشرين التحريرية سنة 1973.

وبعد أن أغلقت إسرائيل كافة أبواب التسوية السلمية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 242، باتت الحرب الشاملة الوسيلة الوحيدة أمام العرب لتحرير الأراضي العربية المحتلة واستعادة الحقوق، لا سيما وأن الجماهير العربية أصبحت ترى في الحرب ثأراً لا بد منه للرد على عدوانية إسرائيل وغطرستها عملاً بالقول المأثور للرئيس الراحل عبد الناصر ” ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”، فجاء قرار القيادتين السورية والمصرية بشن الحرب الشاملة استجابة حقيقية لرغبات الجماهير العربية وتطلعاتها.

إن الأهمية التي توليها الأكاديميات العسكرية لحرب تشرين التحريرية نابعة من أنها الحرب الحديثة التي جرت خلال فترة الحرب الباردة، وعند دخول الثورة التقنية العسكرية مجال التطبيق العملي في مطلع السبعينيات، وقد تميزت هذه الحرب بأحداث عسكرية فريدة معظمها حدث للمرة الأولى منها:

 

– تحقيق المفاجأة الإستراتيجية التامة على الجبهة المصرية من قبل القوات المسلحة المصرية.

– تحييد تأثير التفوق الجوي الإسرائيلي على الجبهتين السورية والمصرية عن طريق استخدام منظومات الدفاع الجوي الروسية الحديثة والمتكاملة.

– صد الضربات المعاكسة الإسرائيلية المتفوقة بالدبابات عن طريق استخدام تشكيلات المشاة المسلحة بالصواريخ م/د ( على جبهة سيناء ).

– عبور الجيش المصري لمانع مائي فريد من نوعه ( قناة السويس).

– احتلال خطوط محصنة في خط الدفاع الأول بأسلوب الإنزالات الجوية الرأسية ( تحرير القوات السورية لجبل الشيخ وتل الفرس).

– استخدام القصف الاستراتيجي الإسرائيلي للمنشآت الحيوية المدنيةوالعسكرية السورية كوسيلة للضغط على القيادة السورية لوقف الحرب.

– تدخل الدول العظمى (الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة) في الصراع إلى درجة الإمداد المباشر بوسائط القتال (جسر بحري وجوي) وإعلان الاستنفار النووي (موقف الولايات المتحدة الأمريكية).

– اتساع أبعاد الحرب إلى درجة مشاركة معظم الدول العربية بقوات رمزية.

– استخدام الحرب الاقتصادية (سلاح البترول العربي وإغلاق مضيق باب المندب) كوسيلة ضغط لإنهاء الحرب بشروط محددة. (مواقف المملكة العربية السعودية ودول الخليج وليبيا واليمن).

– تحول الحرب في إحدى جبهاتها (الجبهة السورية) إلى حرب استنزاف استمرت حوالي خمسة أشهر اضطرت بعدها إسرائيل إلى الانسحاب من الجيب المحتل ومدينة القنيطرة.

– توقف الحرب بقرار مجلس الأمن رقم 338 من دون أن يتمكن أيّ من الطرفين من تحقيق حسم نهائي عسكري.

وسوف نلجأ في هذه الدراسة الموجزة في الذكرى /43/ لهذه الحرب إلى عرض مراحلها على الجبهة السورية في التحضير والتخطيط والتنفيذ ومن ثم استخراج بعض العبر والدروس الهامة منها، وذلك من خلال الوثائق الرسمية السورية والمصرية والإسرائيلية بغية الاستفادة منها في المجالات المتعددة السياسية والعسكرية والثقافية والتربوية، مع العرض بأنه لم تزل هناك أسرار كثيرة لم يتم الكشف عنها بعد.

أولاً: التحضير لحرب تشرين التحريرية:

1- الأخذ بمبدأ حشد الجهود القطرية والقومية:

في الحقيقة إن مرحلة التحضير لحرب تشرين التحريرية بدأت منذ أن رفض العرب في مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، والذي انعقد على أثر نكسة حزيران عام 1967، الاعتراف بإسرائيل والصلح معها، وقد تم التعبير عن الرفض العربي بقيام حرب الاستنزاف ضد القوات الإسرائيلية المحتلة على الجبهات المصرية والأردنية والسورية واللبنانية كافة، وكانت العبرة الرئيسة المستخلصة من هذه الحرب هي أن تحرير الأراضي المحتلة يتطلب اعتماد سياسة عربية داخلية وخارجية قادرة على حشد الجهود القطرية والقومية من أجل حرب التحرير، وبناء جيوش نظامية قادرة على التغلب على الجيش الإسرائيلي وتحرير الأرض والدفاع عنها، وهذه العبرة هي التي كانت وراء فكرة القائد حافظ الأسد بقيام حركة تصحيحية في سورية تأخذ بهذا التوجه الاستراتيجي.

إن من يطلع على كلمة القائد حافظ الأسد في المؤتمر القومي العاشر الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي انعقد في مطلع تشرين الثاني عام 1970، يلمس الهمّ الذي كان يحمله لتحرير الأرض التي احتلتها إسرائيل في عدوانها عام 1967، هذا الهم الذي بقي شغله الشاغل طوال فترة حياته ، وكان عدد محدود من الأشخاص المقربين منه يعلم أنه في كل ذكرى سنوية لاحتلال الجولان، أي في العاشر من حزيران من كل عام، كان القائد الأسد يخصص كامل يومه لتقويم ما أنجزته سورية على طريق تحرير الجولان، وتعتري المرء الدهشة عندما يعلم أنه في الذكرى 33 من احتلال الجولان، أي في العاشر من حزيران من عام 2000، وفي الساعة العاشرة صباحاً ساعة الإعلان عن سقوط القنيطرة عام 1967، غادر عالمنا القائد حافظ الأسد ملقياً علينا مسؤولية استكمال عملية التحرير، في إطار رؤيته الشمولية للصراع العربي – الإسرائيلي التي كان يلخصها بالقول :” الصراع مع إسرائيل وحلفائها ربما يأخذ جولات عدة وقد يستمر لعدة أجيال”.

وكان القائد حافظ الأسد قد عبّر في كلمته في هذا المؤتمر (القومي العاشر الاستثنائي)، الذي انعقد قبل قيام الحركة التصحيحية عام 1970 بعدة أيام، عن رؤيته في كيفية تحرير الجولان والأراضي العربية المحتلة، وسار وفق هذه الرؤية لمدة ثلاثين سنة حتى وفاته. ونعتقد أن هذه الرؤية لم تزل صالحة لترشيد خطواتنا في طريق النضال والتحرير.

وفيما يلي مقتطفات من كلمة القائد حافظ الأسد بهذه المناسبة:

“لي وجهة نظر كاملة فيما يتعلق بالسياسة الداخلية والعربية والدولية وفي مجال المعركة وفي مجال الحزب… الحرب تشمل كل مجالات المجتمع والدولة.. والمرحلة التي نمر بها هي مرحلة تحرر وطني… ولكن للمهمات أولويات … إن الشعوب عندما تحتل أوطانها كلها أو بعضها تصبح المهمة الأولى هي تحرير ما أحتل من أرض الوطن، أما المهمات التالية فتنفذ بما يخدم المهمة الأولى… وفي حال تعارض أي مهمة مع مهمة التحرير تلغى هذه المهمة ولا تنفذ… وأقول إن مهمتنا الأولى هي تحرير الأرض المحتلة.. ونحن في سورية يجب أن نبحث عن إمكانيات القطر كي نسخرها لإيجاد الأداة التي تمكننا من إنجاز مهمة التحرير … إن الجماهير التي ندفعها ونقودها إلى المعركة إذا لم ندفعها بأساليب صحيحة ونزودها بالعتاد والسلاح المناسب فسوف تموت رخيصة ولن تؤدي أية نتيجة على الإطلاق…. المعركة قومية ، المعركة عربية، ليست سورية، ولا فلسطينية ، ولا أردنية ، ولا مصرية، لأن الأرض المحتلة هي لأكثر من قطر عربي بالإضافة إلى فلسطين ، ولأننا شعب واحد، لهذا يجب أن نستفيد من الطاقات العربية من وجهة نظر عسكرية بحتة، ومن وجهة نظر جغرافية المعركة ، أي أن نستفيد من الأراضي العربية غير السورية ، ومن القدرات العسكرية العربية ، ومن القدرات الاقتصادية العربية ، ومن القدرات السياسية العربية في سبيل الإعداد للمعركة…”.

2- بناء السياسة الداخلية:

فيما يتعلق ببناء السياسة الداخلية أكد القائد الأسد على جمع كل طاقات الشعب وتوجيهها باتجاه المعركة من خلال تشكيل المؤسسات التالية:

– الجبهة الوطنية التقدمية.

– مجلس الشعب.

– إعداد خطط التنمية على ضوء ضرورات الدفاع وحاجات الشعب الأساسية، وبناء قاعدة اقتصادية قادرة على تأمين الصمود في الحرب.

– إعطاء المنظمات الشعبية دوراً فعالاً في قيادة الدولة والمجتمع.

– إعادة النظر في صياغة علاقة الحزب بالسلطة بما يضمن قيادة الحزب الحقيقية للسلطة ومؤسساتها، وتطوير أجهزة الدولة”.

3- بناء السياسة الخارجية:

وفيما يتعلق ببناء السياسة الخارجية أكد القائد الأسد في كلمته على:

– النضال الدائم والإيجابي مع الجمهورية العربية المتحدة لتحرير الأرض العربية المحتلة، والعمل على تحقيق جبهة عربية تقدمية.

– تطوير العلاقات في كل المجالات مع دول المعسكر الاشتراكي، وبصورة خاصة مع الاتحاد السوفييتي، باعتباره المعسكر الذي يقف إلى جانب قضايانا العادلة.

– الانفتاح على كل حركات التحرر الوطني والقوى التقدمية في العالم.

– تطوير العلاقات مع كل الدول التي تقف إلى جانب قضايانا القومية العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين.. ويجب أن ننفذ إلى هذه الدول من خلال أية ثغرة تساعدنا في تحقيق مهمتنا في تحرير الأرض”.

4- إعداد القوات المسلحة تنظيماً وتسليحاً وتدريباً وإعداد مسرح العمليات للحرب:

وفيما يتعلق بإعداد القوات المسلحة أكد القائد الأسد على:

– إعادة تنظيم الجيش العربي السوري ليكون جيشاً هجومياً قادراً على تحرير الجولان، والانتقال به إلى التنظيم الفرقي بالإضافة إلى الألوية المستقلة وتشكيلات الدفاع الجوي وصنوف القوات.

– تأمين التسليح والعتاد الحديث اللازم من الاتحاد السوفييتي لخوض الحرب لمدة عدة أشهر وفق الميزانية المحددة لهذا الغرض (ملحق رقم1).

– تحسين التدريب القتالي وبصورة خاصة على العتاد الجديد وتأهيل الكوادر اللازمة بالاستعانة بالأصدقاء السوفييت.

– إعداد مسرح العمليات هندسياً لشن الحرب الهجومية ( مقرات قيادة – مستودعات – ملاجئ – مراكز إمداد – قواعد انطلاق – مرابض – محاور حركة – حظائر طائرات – مطارات – غرف عمليات – عقد اتصال …).

5- إعداد أجهزة الدولة للحرب وتأمين الاحتياطات الإستراتيجية:

وفيما يتعلق بإعداد أجهزة الدولة أكد القائد الأسد على:

– تحديد مسائل رفع الجاهزية القتالية لكل وزارة ومؤسسة في الدولة ونظام عملها في أثناء الحرب.

– إعداد خطة تعبئة أجهزة الدولة لخوض الحرب وبصورة خاصة وزارة الاقتصاد ووزارة التموين، بما في ذلك المخابز وتوفير الاحتياجات الاستراتيجية، واستمرار العملية الإنتاجية مع استمرار تقديم الخدمات للمواطنين والمواد الضرورية للقوات المسلحة، وتعبئة وزارة الصحة ومشافيها، وتعبئة الدفاع المدني، وتعبئة الجيش الشعبي لحماية المنشآت الحيوية وبصورة خاصة منشآت الطاقة والجسور والمستودعات الرئيسية والموانئ وغيرها.

وقد اعتبرت التجربة السورية في التحضير لحرب تشرين التحريرية تجربة رائدة في التاريخ العسكري وكان لمساهمة الاتحاد السوفييتي دور كبير في نجاح هذه التجربة.

ثانياً: – التخطيط لحرب تشرين التحريرية:

1- الاتفاق السوري – المصري المشترك لخوض الحرب:

منذ مطلع شباط/1973 أمر الرئيس حافظ الأسد القائد العام للجيش والقوات المسلحة، هيئة الأركان بإعداد الخطط اللازمة لتحرير الجولان، وفي نهاية هذا الشهر (25شباط) ناقش الرئيسان الأسد والسادات في لقائهما في الاسكندرية فكرة الحرب المشتركة واتخذا القرار التاريخي بالتخطيط لتنفيذها في عام 1973 وشكلا قيادة مصرية – سورية موحدة بإمرة الفريق الأول أحمد إسماعيل ( من القوات المسلحة المصرية)، وباشرت أجهزة التخطيط العسكري للبلدين بإعداد الخطط وتنسيق الأعمال بسرية تامة آخذة بعين الاعتبار جوانب القوة والضعف في البنية القتالية للجيشين السوري والمصري في مواجهة الجيش الإسرائيلي. وكان من أهم القرارات العسكرية لهذه القيادة:

– شن حرب مشتركة على الجبهتين السورية والمصرية في آن واحد.

– الاعتماد على الاتحاد السوفييتي كدولة عظمى في تسليح الجيشين السوري والمصري لتحقيق التوازن مع الجيش الإسرائيلي والتفوق عليه في ميدان المعركة.

– مواجهة تفوق سلاح الجو الإسرائيلي بمنظومة دفاع جوي روسية حديثة متكاملة تغطي الجزء الميداني من مسرح العمليات في كلتا الجبهتين على الأقل.

– مواجهة تفوق سلاح المدرعات الإسرائيلي بسلاح مدرعات سوري – مصري مماثل.

– مواجهة نظرية الحرب الإسرائيلية القائمة على توجيه الضربة المسبقة بخطة تضليل إستراتيجية وتحقيق المفاجأة الاستراتيجية على العدو.

2- تحديد هدف الحرب:

حددت القيادتان السورية والمصرية هدف الحرب على كل جبهة انطلاقاً من نسب التوازن العسكري التي يمكن أن تحققها كل منهما أمام قوات العدو الإسرائيلي والتي تشير إلى أن هذه النسبة تسمح لكل منهما بإحداث تفوق على العدو بنسبة تصل إلى 1 : 2 على الأقل لكل منهما، ومثل هذه النسبة تسمح للقوات السورية بتحرير هضبة الجولان المحتلة والانتقال للدفاع على مشارف نهر الأردن خلال يوم واحد، كما تسمح للقوات المصرية بعبور قناة السويس وتطوير الهجوم إلى المضائق في سيناء خلال عدة أيام بعد وقفة تعبوية. وقد توقعت القيادتان السورية والمصرية من أن القوات العربية التي ستشارك في الحرب على الجبهتين السورية والمصرية وفق قرار رؤساء الأركان العرب في 12كانون الأول عام 1972 (الملحق رقم2) سوف تصل إلى أرض المعركة في الأيام الأولى من بدء الحرب، الأمر الذي سيجعلها تشكل نسقاً ثانياً أو احتياطات استراتيجية تستخدم لدعم هاتين الجبهتين مما يشكل ضمانة أكيدة لنجاح الحرب. ويعدّ مثل هذا التحديد لهدف الحرب على الجبهتين هدفاً منطقياً وموضوعياً من وجهة نظر العلم العسكري وليس هناك من مبرر لإدعاء بعض الصحفيين أو الناقدين العسكريين من أن حرب تشرين التحريرية هي حرب تحريك وليس حرب تحرير، وربما قصدوا بهذا الإدعاء الخلل الكبير الذي حدث على الجبهة المصرية والناجم عن عدم قيام القوات المصرية بتطوير الهجوم إلى المضائق في سيناء على الرغم من أن نجاحها الكبير في عملية العبور.

لقد انطلقت هيئة الأركان السورية في خطتها لتحرير الجولان من الاعتبارات التالية :

(1) ـ إن هضبة الجولان ذات عمق ضيق 20ـ25كم، ومثل هذا العمق هو في حدود المهمة اليومية لقتال فرق النسق الأول وفق نظام قتال القوات المسلحة السورية (الملحق رقم3 خطة الهجوم)، سيما وأن الوضع الطبغرافي لهضبة الجولان يعطي مزايا لصالح المهاجم ، إذ تنحدر ميول النصف الغربي للهضبة انحداراً حاداً باتجاه نهر الأردن وبحيرة طبرية مشكلة ودياناً عميقة، كما أن نهر الأردن وبحيرة طبرية يعتبران من الموانع الطبيعية التي توفر شروطاً أفضل لقواتنا المهاجمة لصد احتياطات العدو القادمة من العمق .

(2) ـ نظراً لوجود قوات العدو بحجم محدود في هضبة الجولان فإن قوات النسق العملياتي الأول المكونة من ثلاث فرق مشاة سورية معززة تستطيع تدمير هذا التجميع والوصول إلى نهر الأردن ، وتوضح نسبة التوازن القائمة بين الطرفين (ثلاث فرق مشاة سورية معززة في مقابل لواءي مشاة ولواءي دبابات للعدو) أن التفوق هو في صالح القوات السورية بنسبة حوالي ثلاثة إلى واحد.

(3) ـ لا يتوقع عبور الاحتياطات المعادية جسور نهر الأردن قبل 24ساعة (أي قبل وصول قوات النسق الأول المهاجمة إليه) ، وضمانةً لذلك سيتم إرسال طلائع متقدمة ومفارز إنزال من القوات الخاصة لمسك الجسور والمضائق الهامة خلال تسع ساعات من بدء الهجوم .

(4) ـ إن وجود احتياط مشترك قوي في البنية العملياتية للقوات السورية مكون من فرقتين مدرعتين ولواء مدرع يؤمن صد الضربات المعاكسة لاحتياطات العدو بنجاح ، وذلك بالتعاون مع الاحتياط م/د واحتياطات صنوف القوات.

(5) – إن توضع قوات العدو في الجولان يشير إلى أن تركيز جهودها الرئيسية سيكون باتجاه القنيطرة، الأمر الذي يجعل اختيار الضربة الرئيسية للقوات السورية باتجاه كودنة ـ الخشينة ـ جسر بنات يعقوب اختياراً مناسباً، سيما وأن هذا الاتجاه هو أقصر الاتجاهات إلى وسط وعمق الجولان ، ويسمح بزج الأنساق الثانية ومناورتها على مجنبتي العدو ، ويتلاقى مع اتجاه الضربة الثانوية الموجهة من شمال القنيطرة بهدف تجزئة قوة العدو الموجودة في الجولان وتدميرها .

لقد وصف العديد من النقاد العسكريين خطة الهجوم السورية بأنها خطة بسيطة غير معقدة ، ذات حسمية في الوصول إلى الهدف (نهر الأردن) ، يتطابق فيها استخدام القوات مع نظام قتال القوات السورية ، كما أنها راعت بشكل صحيح علاقات التوازن التي كانت قائمة بين القوات السورية المهاجمة والقوات الإسرائيلية المدافعة في الجولان .

إلا أنه أخذ على الخطة السورية ، على خلفية نتائج الحرب ، تفاؤلها الزائد عن اللزوم بقدرة التشكيلات السورية على تنفيذ المهام الصعبة ليلاً ، بما في ذلك إرسال الطلائع ، وكذلك تنفيذ الإنزالات الجوية على جسور نهر الأردن وفي مضيق العال ـ جبين لعزل مسرح العمليات ، وكذلك قدرة التشكيلات على التمسك بالأرض وصد ضربة العدو المعاكسة المتفوقة من خطوط غير محضرة ، أي أن الأهداف التي حددتها الخطة لم تراع تماماً الإمكانيات الفعلية للقوات السورية ، كما لم تأخذ بعين الاعتبار احتمال قيام العدو الإسرائيلي منذ بداية الحرب بتركيز جهوده الرئيسة على اتجاه الجبهة السورية وقيامه بالضربة المعاكسة من وسط هضبة الجولان وليس من خط نهر الأردن – بحيرة طبرية.

3 – أسباب اختيار يوم السادس من تشرين لخوض الحرب:

تم اختيار يوم 6 تشرين الأول /أكتوبر1973 لبدء الحرب لتوفر عدة مزايا في هذا اليوم هي:

1- يصادف يوم 6 تشرين يوم السبت وهو يوم عطلة لدى العدو الإسرائيلي وعادة ما تكون الجاهزية القتالية الإسرائيلية منخفضة في هذا اليوم.

2- يصادف يوم السبت في 6 تشرين يوم عيد الغفران لدى الإسرائيليين حيث تكون نسبة إجازات العسكريين كبيرة.

3- في هذا اليوم سيكون القمر بدراً مما يساعد على تنفيذ الأعمال القتالية ليلاً ، وكذلك ملائمة المد والجزر لعبور القوارب في قناة السويس.

4- وقوع هذا اليوم خلال شهر الصيام في رمضان ( العاشر من رمضان) حيث لا يتوقع العدو لجوء القوات العربية للحرب.

4 – أسباب اختيار الساعة 1400 (الساعة س – الساعة صفر) لبدء الهجوم والأخطار التي تعرضت لها القوات السورية نتيجة ذلك:

أما الساعة /س/ أي ساعة الهجوم فقد حدث خلاف كبير بشأنها بين هيئة الأركان السورية وهيئة الأركان المصرية، إذ كان من مصلحة القوات السورية، كما كانت عليه خطتها الأصلية، أن تبدأ الهجوم صباحاً في أول ضوء للأسباب التالية:

1- تستطيع خلال يوم كامل (منذ الصباح حتى نهاية اليوم) تحرير الجولان لأن عمق الجولان يتراوح بين 15-20كم، حيث تنتقل بعد ذلك إلى الدفاع عن مشارف نهر الأردن في نهاية اليوم. وبذلك تتلافى صعوبات القتال الليلي في أرض الجولان الجبلية الصعبة، وتستفيد من مزايا ضوء النهار في الوصول إلى معابر نهر الأردن لمنع عبور القوات الإسرائيلية إلى الجولان، والتمركز دفاعياً على مشارف هذا النهر والساحل الشرقي لبحيرة طبرية لصد الهجوم المعاكس المتوقع للقوات الاحتياطية الإسرائيلية.

2- عندما تهاجم القوات السورية صباحاً من اتجاه الشرق إلى اتجاه الغرب يكون ضوء الشمس في ظهرها وفي أعين العدو الأمر الذي يساعد الرماة السوريين على التسديد ورؤية الأهداف والعكس صحيح بالنسبة للعدو.

3- يساعد الليل الذي يسبق يوم الهجوم عملية تقرب القوات السورية إلى قاعدة الانطلاق من دون أن يراها العدو بغية تحقيق المفاجأة ، كما تستطيع فتح الثغرات في حقول ألغام العدو تحت جنح الظلام من دون أن يتوفر وقت كاف للعدو للتعرف على هذه الثغرات وإغلاقها قبل هجوم القوات السورية.

أما هيئة الأركان المصرية فكان من مصلحة قواتها أن تبدأ الهجوم ليلاً للأسباب التالية:

1- يسمح ظلام الليل بتقرب القوات المصرية إلى قناة السويس وتغطية عملية العبور ليلاً.

2- يساعد ظلام الليل على إخفاء عملية نصب الجسور التي سيقوم بها الجنود المصريون على قناة السويس لعبور الدبابات والعربات، ويصعب على الطيران الإسرائيلي تحديدها وقصفها.

3- تسمح ساعات الليل بتقدم القوات المصرية بعد العبور إلى شرق القناة لمسافة 10كم والتمركز دفاعياً في الأرض الرملية لصد الهجمات المعاكسة المحتملة التي ستقوم بها القوات الإسرائيلية الموجودة في سيناء في صباح اليوم التالي.

وأمام هذا التناقض الحاد في مصالح الطرفين بدأ البحث عن حل وسط مع الحفاظعلى الفكرة الأساسية وهي الهجوم في آن واحد كي يتم توزيع جهد القوات الإسرائيلية على الجبهتين، وتم الاتفاق بين القيادتين السورية والمصرية على أن يكون الهجوم الساعة 14.00بدلاً من الساعة /1800/ وفق الخطة المصرية الأصلية.

“وقد سجل اللواء مصطفى طلاس رئيس الوفد السوري الذي قبل بهذا التوقيت في محضر اجتماع القيادتين في الإسكندرية العبارات التالية: “إن القيادة العسكرية في سورية إذ توافق على توقيت الساعة س فإنها تعتبر أن هذا التوقيت وإن كان لا يناسب قواتنا في الجبهة الشرقية فإنه يناسب القوات المصرية العاملة في الجبهة الغربية ونحن نعتبر أن نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس هو نجاح لنا، ومن هذا المنطلق فإن سورية تقدم هذه المأثرة للشقيقة مصر”. وشكر الفريق أول أحمد إسماعيل القائد العام للقيادة المشتركة اللواء طلاس قائلاً:”أنتم السوريون سباقون دائماً للعمل من أجل المصلحة القومية..” ( المصدر تاريخ الجيش العربي السوري-الجزء الثالث ص 69)”..

وبهذا الاتفاق على الساعة “س” أي الساعة 1400 بعد الظهر فقد الجيش السوري جميع مزايا الهجوم المذكورة مسبقاً صباحاً ونهاراً وأصبح هجومه مكشوفاً للعدو الأمر الذي تضطر معه القوات السورية للخرق عنوة وهذه حالة من أصعب حالات الهجوم، ومن ثم اضطرارها لمتابعة الهجوم ليلاً في الجولان وهي الحالة التي لم تتدرب عليها القوات السورية جيداً، الأمر الذي أحدث خللاً كبيراً في كامل العملية الهجومية للقوات السورية من حيث المهام القتالية التي أسندت سابقاً لهذه القوات، وكذلك التبدل الحاصل في الطبيعة المحتملة لعمل العدو من حيث توفير الوقت الكافي ليلاً لوصول احتياطاته إلى وسط هضبة الجولان والقيام بعملية صد هجوم القوات السورية وهذا ما حصل فعلاً. ولكن من إيجابيات هذه التضحية” المأثرة السورية التي قدمت للشقيقة مصر” إذ أنها جذبت كامل الطيران الإسرائيلي وبعض ألوية الدبابات التي كانت مخصصة للعمل على جبهة سيناء إلى العمل على الجبهة السورية إلى درجة لم ترسل فيها القيادة الإسرائيلية أية طائرة ضد عملية عبور الجيش المصري للقناة باعتبارها قد اتخذت قراراً بأن الجبهة السورية هي الأخطر لأنها الأقرب إلى العمق الإسرائيلي”، الأمر الذي جعل صاحب هذه الدراسة يقول للأشقاء المصريين في احتفالهم بذكرى حرب أكتوبر ” لا تنسوا ذكر مأثرة الجيش السوري الشقيق الذي شكل الجسر الرئيسي لعملية العبور”.

ثالثاً : خوض الحرب:

1- طابع المفاجأة التي تم تحقيقها ضد العدو على الجبهتين:

قبل انتقال القوات السورية والمصرية للهجوم سعت 1400 يوم 6/10 لا بد من الحديث عن طابع المفاجأة التي تحققت ضد العدو الإسرائيلي على كلتا الجبهتين المصرية والسورية وذلك من خلال ما كتبه المؤرخون والقادة الإسرائيليون ، وما نشر في الكتب والصحف الإسرائيلية ، وما نشرته اللجنة الإسرائيلية التي حققت بتقصيرات الجيش الإسرائيلي في حرب يوم الغفران (لجنة أغرانات)، وما أدلى به بعض الأسرى الإسرائيليين (ملفات سرية). ويمكن تلخيص المعطيات التي ذكرها هؤلاء حول طبيعة المفاجأة التي حدثت للقوات الإسرائيلية على الجبهتين المصرية والسورية بالقول : إن القوات الإسرائيلية التي كانت مدافعة على جبهة قناة السويسأصيبت بمفاجأة تامة تكتيكية وعملياتية، أما القوات الإسرائيلية التي كانت مدافعة على جبهة الجولان (ما عدا مركز جبل الشيخ ) فقد كانت في حالة إنذار واستعداد مسبق لمواجهة القوات السورية المهاجمة وكذلك كان أيضاًَ سلاح الطيران الإسرائيلي وسلاح البحرية الإسرائيلي وجميع التشكيلات البرية الاحتياطية. أما فيما يتعلق بهيئة الأركان الإسرائيلية فقد علمت بوقوع الحرب على الجبهتين السورية والمصرية منذ صباح 6/10 الساعة الرابعة صباحاً وأعلن رئيس الأركان الإسرائيلي عن جاهزيته لتوجيه الضربة الجوية المسبقة إلى القوات السورية قبل بدء الهجوم بعدة ساعات، فرفض طلبه من قبل رئيسة الوزراء “غولدا مائير” ووزير الدفاع “موشي دايان” لاعتبارات سياسية، فيما أبحرت السفن الصاروخية من الموانئ الإسرائيلية الساعة الثامنة من صباح يوم الهجوم (6/10) متجهة إلى شرق جزيرة قبرص ووجهت صواريخها البحرية إلى الموانئ السورية بعد عدة ساعات من بداية الهجوم، ومنذ صباح 6/10 وحتى الظهيرة كانت مراكز الرصد الإسرائيلية الموجودة في قمة جبل الشيخ وسلسلة مرتفعات الجولان تشير إلى أماكن القوات السورية الجديدة بوضوح، في الوقت الذي كانت فيه القوات الإسرائيلية في الجولان تقوم بنشر وحدات الدبابات من النسق الثاني إلى النسق الأول، وكذلك وحدات المدفعية، وتحضير المواقع المحصنة، وفي الساعة 13.40قبل قيام القوات السورية بالتمهيد المدفعي أعطت القيادة الإسرائيلية في الجولان أمراً إلى جميع قواتها بالالتجاء في المواقع المحصنة والملاجئ لتلافي الخسائر، لذا لا يمكن القول إن الجيش السوري فاجأ العدو بل على العكس من ذلك فإن الجيش السوري قام يخرق دفاع العدو عنوة على الرغم من استعداداته التي اتخذها.

أما الوضع على الجبهة المصرية فقد كان على العكس تماماً فالحصون الإسرائيلية في خط بارليف (على قناة السويس) كانت في حالة عادية غير مستنفرة وكذلك وحدات الدبابات الموجودة خلفها وكان لرجل الاستخبارات المصري أشرف مروان دور كبير في تضليل الاستخبارات الإسرائيلية عن الوضع الحقيقي للجيش المصري.

2- قيام القوات السورية بخرق خط الدفاع الإسرائيلي المحصن في الجولان:

في الساعة 1100 من يوم 6/10/73 وصل السيد الفريق حافظ الأسد القائد العام للجيش والقوات المسلحة إلى المقر الرئيسي للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة، وأخذ مكانه في قاعة العمليات، وبدأ يتلقى جاهزية القوات السورية لبدء الحرب. وفي الساعة 13.50 أعطى الأوامر لطائراتنا القاذفة المقاتلة بالإقلاع من مطاراتها باتجاه المواقع الإسرائيلية المقرر قصفها في هضبة الجولان، كما أعطى الأمر إلى قادة التشكيلات وقطعات المدفعية ببدء التمهيد الناري على أغراض العدو المحددة في الجولان، وفي تلك اللحظة عبرّت صيحة “الله أكبر” التي أطلقتها حناجر القادة والجنود عن الشوق الشديد لبدء معركة التحرير والتصميم على تحقيق النصر.

وفي الساعة 1400 من يوم 6/10 بدأت قواتنا التمهيد المدفعي للهجوم باشتراك 1152 مدفعاً وهاوناً، كما بدأ طيراننا ضربته الجوية على المواقع المحددة، في الوقت الذي انتقلت فيه للهجوم قوات النسق الأول التي تضم ستة ألوية مشاة والفوج المغربي، كما قامت كتيبتان من القوات الخاصة باحتلال مركز الاستطلاع والاستخبارات في جبل الشيخ بالإنزال الرأسي والهجوم الأرضي، أما الإنزال الجوي الذي كان من المقرر تنفيذه في خانق العال فقد ألغي بسبب كثافة الطيران الإسرائيلي في أجواء المنطقة، وعادت قوات الإنزال المحمولة بـ11 حوامة نقل إلى مطارها القريب من دمشق.

لقد استمر رمي التمهيد لمدة ساعة واحدة ولكن الخسائر الإسرائيلية كانت محدودة بسبب الالتجاء المسبق للعناصر الإسرائيلية في ملاجئ نقاط الاستناد المحصنة وقيام الوحدات الإسرائيلية المدرعة بالخروج بسرعة من مناطق تحشدها إلى مناطق أخرى خلف التلال يصعب رصدها من قبل قواتنا، لذا فإن التمهيد الناري والجوي لم يتمكنا من تحقيق نسبة الإبطال والتدمير المطلوبة في قوات العدو قبل انتقال قواتنا إلى الهجوم ، وهكذا كان على قواتنا في نسقها الأول (ملحق رقم3) أن تخرق دفاعاً معادياً محصناً ذي جاهزية تامة وكفاءة تامة، وبنسب من التوازن كانت لصالح القوات الإسرائيلية في القطاع الشمالي من الجولان (أي 2لواء مشاة من الفرقة السابعة يحاولان خرق دفاع حوالي لواء مشاة ولواء دبابات إسرائيلي).

هذا بالإضافة إلى أن عامل الرصد والمراقبة كان لصالح العدو نظراً لسيطرة التلال التي يحتلها العدو على قاعدة انطلاق قواتنا، ولكون أشعة الشمس في وجه قواتنا أيضاً.

لقد كان لدى قواتنا المهاجمة في النسق الأول (6 ألوية مشاة) تكبدت أثناء قتالها خسائر كبيرة ولكن معظمها تمكن من خرق الدفاع عنوة.

وعلى الرغم من هذه الصعوبات فقد تمكنت وحدات بعض ألوية الأنساق الثانية لفرق المشاة من الزج في معظم القطاعات قبل آخر ضوء، مكبدة قوات العدو خسائر كبيرة ، فوصلت طلائع دبابات الفرقة السابعة إلى مقربة من مفرق المنصورة شمال القنيطرة، ووصل لواء دبابات الفرقة التاسعة إلى منطقة الرمثانية- السلوقية- المشتى في وسط الجولان، واحتلت الفرقة الخامسة معظم نقاط استناد العدو في الحد الأمامي وطورت هجومها في العمق.

3- قتال القوات السورية في وسط الجولان ومحاولة صد الضربة الإسرائيلية المعاكسة:

قوات العدو:

بعد نشوب الحرب كانت القيادة الإسرائيلية قد اتخذت قراراً بإرسال أية وحدات احتياطية جاهزة من الفرق الثلاث المخصصة للجبهة السورية (فرقة إيتان – وفرقة لانر – وفرق بيلد) إلى الهضبة لإعاقة تقدمالقوات السورية ومنع وصولها إلى المضائق المشرفة على نهر الأردن وبحيرة طبرية، ريثما يتم استكمال الدعوة الاحتياطية لهذه الفرق بغية قيامها بالضربة المعاكسة، ومنذ صباح 7/10 وزعت القيادة الإسرائيلية مسؤولية الدفاع عن قطاعات الهضبة كمايلي:

– القطاع الشمالي من الجولان تدافع عنه فرقة “إيتان” (الفرقة 36 دبابات).

– القطاع الأوسط من الجولان تدافع عنه فرقة “لانر” (الفرقة 210 دبابات).

– القطاع الجنوبي من الجولان تدافع عنه فرقة “بيلد” (الفرقة 146 دبابات).

ومنذ صباح 7/10 بدأت الفرق الإسرائيلية تدفع بطلائع قواتها إلى الهضبة بمستوى الفصائل والسرايا، وقد وصلت معظم وحدات اللواء 679 دبابات إلى منطقة القنيطرة – المنصورة، كما تسلقت طلائع من اللواء 205 دبابات ومن اللواء 179 دبابات محور جسر بنات يعقوب – سنابر ومحور الحاصل اليعربية، وتوجهت وحدات من لواء ميكانيكي، إلى محور فيق- العال، وقد دارت عدة معارك بين طلائع هذه القوات وطلائع قواتنا المتقدمة قبيل ظهيرة هذا اليوم.

تطوير الهجوم السوري صباح 7/10:

وفي صباح 7/10 قررت القيادة السورية تعزيز النجاح الذي تحقق على اتجاه الفرقتين السابعة والتاسعة بزج الفرقة الأولى دبابات في القطاع الجنوبي سعت 10.30 من خط تل يوسف – السوقية باتجاه كفر نفاخ – واسط، بمهمة تدمير القوات المعادية في المنطقة، ومن ثم التقدم باتجاه واسط – سكيك لتطويق العدو الذي لم يزل يقاتل الفرقة السابعة في منطقة القنيطرة.

وقد كلفت الفرقة التاسعة مع مجموعة مدفعية الجيش بتأمين زج الفرقة الأولى، في الوقت الذي تقوم فيه الفرقة الخامسة بمتابعة تنفيذ مهمتها المحددة سابقاً وتطوير هجومها بزج لواء مدرع من احتياط الجيش باتجاه خسفين – العال.

كما تقرر أن ينفذ إنزال جوي رأسي على قمة تل الفرس لاحتلال نقطة استناد العدو الموجودة في قمة هذا التل والتي لم تسقط بعد، فنفذت الكتيبة 411 من قوات حطين (جيش التحرير الفلسطيني) هذا الإنزال، وذلك في الساعة 15.00/7/10 وتمكنت من اقتحام نقطة استناد العدو والاستيلاء على موقع تل الفرس بعد مقاومة إسرائيلية شديدة. فيما ألحقت الكتيبان الباقيتان من لواء حطين على ألوية المشاة السورية العاملة في النسق الأول من الفرقة التاسعة.

وصل لواء من الفرقة الأولى إلى خط الزج سعت 11.30 بتأخير ساعة واحدة عن التوقيت المحدد، أما باقي الألوية فقد وصلت بعد ساعة من هذا التوقيت، ولم يؤمن خط زج الفرقة بنيران مدفعية الجيش لعدم وجود عناصر استطلاع تحدد الأغراض المعادية التي يجب رميها، وخاضت الفرقة الأولى معركتها ضد العدو بجرأة وحسمية، حيث وصل نسقها الأول إلى كفر نفاخ – محور التابلاين مما أضطر الجنرال الإسرائيلي روفائيل ايتان قائد الفرقة 36 إلى نقل مقر قيادته من كفر نفاخ إلى واسط. ولكن الفرقة الأولى واجهت مقاومة عنيفة من دبابات العدو ومن وحدات الصواريخ م/د التي يبدو أنها كانت منتشرة بكثافة في هذه المنطقة ولم تكن معروفة لقواتنا، كما واجهت الفرقة الأولى هجمة معاكسة إسرائيلية من مجنبتها اليمنى، مما اضطرها إلى الانسحاب إلى منطقة السنديانة والانتقال للدفاع على الخط المحتل في نهاية يوم 7/10. الأمر الذي جعل موشي دايان يتراجع عن اقتراحه بسحب القوات الإسرائيلية إلى غرب نهر الأردن ويطلب من الأركان الإسرائيلية الاستمرار بتوجيه الضربة المعاكسة حيث قام الجنرال “بارليف” رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق من التأكد من عدم قيام القوات السورية بالسيطرة على المضائق المشرفة على وادي الأردن وبحيرة طبرية.

اتسمت المعركة في وسط الهضبة بكونها معارك دبابات ووسائط م/د فقط، ولم تستطع المشاة اللحاق بالدبابات فانفصلت عنها ، الأمر الذي سهل عمل كمائن دبابات العدو وأسلحته المضادة للدبابات.

وفي صباح هذا اليوم نجحت بعض وحدات من مشاة الفرقة التاسعة بدخول القنيطرة، ولكن كتيبة الدبابات من لواء دبابات الفرقة التاسعة التي أسندت لها مهمة التقدم ليلاً على محور الجويزة – القنيطرة لتعزيز وحداتنا التي دخلت القنيطرة دمرت ليلاً في كمين معاد محضر لها في أحراج عين زيوان دون أن تتمكن من المناورة.

أما الفرقة الخامسة فقد تابعت تنفيذ مهمتها القتالية فاحتلت نقاط استناد العدو التي لم تحتل في اليوم السابق: تل القلع، شمال تل الفرس، تل السقي، خسفين، ووصل النسق الأول للفرقة إلى خط تل البازوك – تل المنطار، كما تقدم اللواء الميكانيكي (النسق الثاني للفرقة) ووصل إلى ناب – كفر الما، وقد خاضت كتيبة الدبابات التي وصلت صباحاً إلى منطقة اليعربية، على بعد عدة كيلومترات من بحيرة طبرية (الملحق رقم4)، معركة حاسمة مع دبابات العدو المتقدمة على هذا المحور، ولكن لواء الدبابات الإسرائيلي المعزز بالطيران تمكن من التغلب على مقاومة هذه الكتيبة وفتح المحور أمام حركة القوات الإسرائيلية، كما حدثت معركة شبيهة بتلك على محور جرنايا، وحتى مساء هذا اليوم تمكنت وحدات العدو من فتح المحاور الصاعدة إلى الهضبة والتمسك بمداخلها، مشكلة طلائع متقدمة للقوات الإسرائيلية الاحتياطية القادمة من العمق.

محاولة صد الضربة الإسرائيلية المعاكسة يومي 8-9/10:

بدت فكرة العدو واضحة في توجيه الضربة المعاكسة صباح 8/10، فبعد أن نجح في تثبيت خط دفاعه في القنيطرة وشمالها والتمسك برؤوس المحاور الثلاثة الصاعدة إلى الهضبة (محور جسر بنات يعقوب – كفر نفاخ ومحور الحاصل – الخشنية، ومحور جملة – تل البازوك) أخذ يوجه ضربته المعاكسة بقوى فرقتي دبابات يعززها الطيران (فرقة لانر، وفرقة بيلد) إلى مجنبات قواتنا المهاجمة محاولاً تدمير قوات الفرقة الأولى دبابات وتطويق قوات الفرقة الخامسة التي دخلت في خانق خسفين – ناب. ودفع قوات الفرقة التاسعة إلى الخلف باتجاه الخشنية.

قامت قواتنا بصد ضربة العدو المعاكسة بما تبقى من القوى والوسائط:

– الفرقة الأولى: (نسبة الخسائر فيها 50%) تتمسك بخط الدلهمية – السنديانة – الرزانية – السلوقية.

– الفرقة التاسعة: (حوالي كتيبتي دبابات)مع احتياط م/د الجيش تتمسك بخط تل الطلائع – غرب الخشنية – الرمثانية.

– الفرقة الخامسة: تتمسك بخط تل المنطار – غرب خسفين – غرب تل أبو غيثار.

صدت قواتنا خلال يوم 8/10 عدة محاولات متكررة للعدو للتقدم إلى مجنبة ومؤخرة قواتنا، وكبدته خسائر كبيرة، خاصة على اتجاه ناب – خسفين، حيث اعترف قائد اللواء الإسرائيلي الذي يهاجم على هذا الاتجاه عن إصابة قواته بخسائر كبيرة نتيجة الرمايات الكثيفة للمدفعية السورية (المدفعية التي استخدمها لواء ميكا – الفرقة الخامسة) إلا أن قطعات العدو تمكنت في نهاية اليوم من أحداث ثغرة في خط الفصل بين الفرقتين التاسعة والخامسة، وطورت هجومها إلى مؤخرة قوات الفرقة الخامسة، حيث اضطرت معظم وحداتها إلى الانسحاب إلى خط الدفاع السابق تحت ضغط العدو.

تمسكت وحدات الفرقة الأولى والفرقة التاسعة بقطاع الرمثانية – الخشنية – تل الطلائع – تل الفرس مكبدة العدو خسائر كبيرة.

وقامت قوات الفرقة السابعة بهجوم ليلي صامت ليلة 8-9/10 باستخدام المشاة بهدف احتلال القنيطرة والمرتفعات المجاورة لها من الشمال والجنوب، وقد عزز الهجوم بعد نجاحه بلواء دبابات من الفرقة الثالثة وبحوالي كتيبتي دبابات من احتياط الجيش ووصلت القوات المهاجمة إلى مدينة القنيطرة، واحتلت المرتفعات المشرفة عليها من الشمال والجنوب، وفي صباح 9/10 قام العدو بهجوم معاكس من ثلاث اتجاهات محاولاً عزل القوات وتطويقها وبعد إصابة كلا الطرفين بخسائر كبيرة اضطرت قواتنا للعودة إلى مواقع انطلاقها.

إن الأسباب الرئيسية التي كانت وراء عدم نجاح قواتنا في خرق دفاع العدو في القطاع (شمال القنيطرة) هي:

(1)- لم يكن تقدير قواتنا صحيحاً لحجم القوات المعادية المدافعة في هذا القطاع، ففي اليوم الأول قاتل العدو بحوالي لواء مشاة ولواء دبابات ووحدتي م/د ضد النسق الأول للفرقة السابعة (2لواء مشاة)، وبعد اليوم الأول عزز العدو دفاعه في هذا القطاع ووصل حجم قواته إلى حوالي الفرقة (2لواء دبابات مع لواء مشاة).

(2)- كانت ظروف المبارزة النارية بنيران الدبابات لصالح القوات الإسرائيلية باعتبارها متخندقة ومموهة، ومسيطرة طبغرافياً على ساحة المعركة، محمية بالحواجز الهندسية وبخط دفاع م/د وقد أطلق العدو الإسرائيلي على المنطقة الممتدة من مشارف القنيطرة إلى تل الضهور في شمالها “منطقة وادي الموت” حيث دمر فيها حوالي 300 دبابة إسرائيلية مقابل 400 دبابة سورية.

(3)- لم تقم وحدات مشاة الفرقة السابعة باحتلال الحصون الإسرائيلية (نقاط الاستناد المحصنة في الحد الأمامي)، وتخلت عن بعضها بعد احتلاله، الأمر الذي سمح للعدو بالعمل من هذه الحصون ضد مجنبات ومؤخرات دباباتنا التي نجحت في الهجوم.
4- احتواء القوات السورية الهجوم الإسرائيلي في الجيب المحتل شرق القنيطرة:

لا تكتفي النظرية القتالية للعدو عند شن الهجوم المعاكس بإعادة الوضع إلى ما كان عليه وإنما باحتلال قطعة من الأرض التي تتمسك بها قواتنا للمساومة عليها أو ضمها أو استثمار النجاح ومتابعة الهجوم لفرض وقف إطلاق النار. هذا ما استهدفه العدو الإسرائيلي في هجومه عبر محور القنيطرة – سعسع. وقد فشل في تحقيق هدفه بعد أن تم احتواء هجومه على الرغم من القصف الاستراتيجي المرافق له، ويعود الفضل بذلك لصلابة القيادة والجنود واستبسالهم.

انتقل العدو للهجوم شرق وشمال القنيطرة على اتجاه الفرقة السابعة سعت 11.00 من صباح 11/10 بعد تمهيد ناري وجوي لمدة ثلاث ساعات، وذلك بقوام فرقتين هما الفرقة 36 دبابات والفرقة 210 دبابات (ملحق رقم5)، وتمكن من خرق دفاع الفرقة السابعة على محورين جباتا الخشب – حرفا – مزرعة بيت جن والحميدية – خان أرنبة – ماعص ، وفي صباح 12/10 طور العدو هجومه بتوسيع الخرق بعد زج النسق الثاني لتشكيلاته فصدت قواتنا هجومه على خط مزرعة بيت جن – دورين – حمريت – سبسبا – الطيحة – مسحرة، وخاضت معه معارك ليلية ناجحة على هذا الخط شارك فيها اللواء 12 دبابات عراقي بهجمة معاكسة ليلية شجاعة على اتجاه كفر ناسج – تل المال ، وقد ظل القتال محتدماً طيلة الليل. ومنذ صباح 13/10 انتقل العدو للدفاع على الجبهة السورية ونقل جهده الجوي إلى الجبهة المصرية، بعد أن لمس عدم قدرته على تطوير الهجوم بوصول طلائع القوات العربية، ووصول عتاد فرقتي دبابات سوفييتية إلى الموانئ السورية عبر الجسر البحري حيث باشرت القوات السورية باستعواض خسائرها من العتاد المدرع.

تابعت قواتنا الضغط بالنيران على العدو وتكبيده الخسائر على الخط المحتل، وفي الوقت نفسه بدأت القيادة السورية باستكمال عملية إعادة التزويد بالعتاد القتالي القادم من الاتحاد السوفييتيولا سيما الطيران المقاتل، والتجهيز للضربة المعاكسة، وقد ساعدتها على تنفيذ هذه المهامالقوات العربية التي بدأت تصل إلى سورية من العراق والأردن والسعودية والكويت(الملحق رقم6)، والتي انتشرت دفاعياً في مواجهة القوات الإسرائيلية، وبقيت قواتنا مع القوات العربية تخوض معارك نارية مع قوات العدو إلى أن قبلت مصر وسورية بقرار مجلس الأمن رقم 338 الصادر بتاريخ 22/10/1973.

ومن الجدير بالذكر أن القيادة الإسرائيلية فشلت في إخراج سورية من الحرب على الرغم من استخدامها وسيلة القصف الاستراتيجي للمنشآت الحيوية، للمرة الأولى في حروبها، لمدة ثلاثة أيام من 9 إلى 12/10 كوسيلة ضغط على القيادة السورية ، وقد تحدث الجنرال الإسرائيلي”أهارون لبران” الذي عمل في سلاح الاستخبارات الإسرائيلية خلال الحرب، عن هذا الموضوع بقوله “استخدمت إسرائيل القصف الاستراتيجي ” في حرب يوم الغفران ضد الأهداف الحيوية في سورية من أجل إخراج سورية من دائرة الحرب بأسرع وقت ممكن، وقد وقع الاختيار على أهداف اقتصادية وقيادات عسكرية، وكانت الأهداف الاقتصادية هي الأساس، وشملت هذه الأهداف محطات توليد الطاقة، ومحطات الوقود، وشبكة المواصلات وبصورة خاصة الجسور وعقد الطرق وعقد المواصلات والمرافئ والسكك الحديدية بالإضافة إلى المصانع الكبيرة، وبدأنا بقصف هذه الأهداف في اليوم الرابع من القتال عندما تقرر أن تكون سورية هي الهدف الأساسي للمجهود الحربي الإسرائيلي، ولكن القصف لم يؤد إلى النتيجة الأساسية التي كانت تأملها إسرائيل والمتمثلة في إخراج سورية من المعركة ، أما الدرس الذي تعلمناه من هذه التجربة فهو أن القصف الاستراتيجي لا يكفي لتحقيق الحسم في القتال، بل يجب أن يترافق القصف بضربات عسكرية برية ناجحة”.

5- الأعمال القتالية للقوى الجوية والدفاع الجوي:

في بداية الحرب تفوقت سورية ومصر في عدد الطائرات المقاتلة القاذفة على إسرائيل، لكن الطائرات الإسرائيلية كانت متميزة تقنياً على الطائرات العربية من حيث أجهزة الكشف والملاحقة ، ومدى عمل الطائرات ، وقدرتها على حمل الذخائر، هذا بالإضافة إلى إدارة أفضل للعمليات الجوية وخبرات مسبقة أفضل للطيارين.

ولمواجهة فاعلية الطيران الإسرائيلي واستمرار تقديم الدعم لقواتنا البرية وتغطيتها من ضربات طيران العدو في الوقت نفسه، وضعت قيادة القوى الجوية والدفاع الجوي في الجيش العربي السوري فكرة عملياتية تقوم على استنـزاف الطيران الإسرائيلي دفاعياً بوساطة منظومة الدفاع الجوي والمعارك الجوية في الأجواء السورية، كما تقوم في الوقت نفسه على تخصيص جهد معين لتقديم الدعم لقواتنا وضرب احتياطات العدو المتقدمة من العمق. وقد ظلت هذه الفكرة العملياتية قائمة منذ بداية الحرب وحتى نهايتها ، وأدى تطبيقها إلى استمرارية قيام طيراننا ودفاعنا الجوي بتنفيذ مهام الدعم والتغطية والاستطلاع والنقل الجوي حتى نهاية الحرب. وقد أسهم الطيران العراقي الشقيق مع الطيران السوري في الأعمال القتالية بعد قدوم ثلاثة أسراب عراقية إلى المطارات السورية . الأمر الذي سمح بأن يبقى الطيران السوري فاعلاً في المعركة حتى نهاية حرب الاستنزاف واتفاقية فصل القوات.

أما الفكرة العملياتية لقيادة سلاح الجو الإسرائيلي فقد بنيت على أساس إحراز السيطرة الجوية على الأجواء السورية منذ بداية العمليات ، واضعة في الأفضلية الأولى تدمير قواعد الصواريخ السورية م/ط التي تغطي القوات السورية المهاجمة والأهداف الهامة في العمق، وفي الأفضلية الثانية تدمير مهابط المطارات. وبعد ثلاثة أيام من الجهد الجوي الإسرائيلي المتواصل ، الذي وصل إلى أكثر من ألف طلعة في اليوم ، فشل الطيران المعادي في تحقيق غايته وتكبد على أثر ذلك خسائر كبيرة، وتبين أن معظم الطيارين الإسرائيليين الذين سقطوا فوق الأراضي السورية والذين وصل عددهم إلى حوالي 50 طياراً وملاحاً هم من طياري الصف الأول في إسرائيل الذي أُهلوا لتنفيذ المهام الصعبة .

ولما فشل الطيران الإسرائيلي في إخراج شبكة الدفاع الجوي السورية من المعركة وكذلك تعطيل عمل المطارات السورية، انتقل إلى تنفيذ مهمة جديدة هي تدمير الأهداف الاقتصادية الحيوية السورية بما أسماه القصف الاستراتيجي ، مركزاً على منشآت الوقود والكهرباء والجسور ، وكذلك على مينائي اللاذقية وطرطوس لتدمير الإمدادات العسكرية التي بدأت تصل إليهما من الاتحاد السوفييتي. ولكن على الرغم من الخسائر التي أصابت هذه المنشآت فقد فشل العدو في تحقيق غايته بإخراج سورية من الحرب .

واعتباراً من 16/10 نقل الطيران الإسرائيلي جهده الجوي باتجاه الجبهة المصرية ، وذلك عندما نجحت القوات الإسرائيلية في العبور إلى الضفة الغربية للقناة وتدمير بعض قواعد الصورايخ م/ط ، حيث تمكن الطيران الإسرائيلي بعد تدميرها من فتح ثغرة في شبكة الدفاع الجوي المصري تسلل منها وبدأ بتدمير قواعد الصواريخ الأخرى ، محققاً على أثر ذلك سيطرة جوية في منطقة عمل قواته غرب القناة .

دُمر للعدو الإسرائيلي في نهاية الحرب 102 طائرة مقاتلة قاذفة حسب اعترافه، سقط ثلثا هذه الطائرات في جبهة الجولان ، وكانت أسباب سقوطها هي : 50% بواسطة الصواريخ أرض ـ جو ، و 30% بوساطة نيران الدفاع الجوي ، و 20% بوساطة المعارك الجوية ، ولكن على الرغم من الحجم الكبير لهذه الخسائر بقي الطيران الإسرائيلي في وضعية الهجوم حتى نهاية الحرب ، واستمر ينفذ طلعتين هجوميتين مقابل طلعة واحدة دفاعية .

6- الأعمال القتالية للقوى البحرية السورية:

طبقت البحرية الإسرائيلية في حرب تشرين التحريرية مبادئ العقيدة القتالية الإسرائيلية التي تقضي بسبق العدو بتوجيه الضربة ونقل الحرب إلى مسرح عملياته (مياهه الإقليمية) ، وقد تأكد بالوثائق أن البحرية الإسرائيلية تلقت الإنذار العملياتي بالخروج للحرب في صباح السادس من تشرين الأول، فقامت بتحميل الذخيرة والصواريخ وخرجت من موانئها قبل نشوب الحرب، وخلال ست ساعات كانت الزوارق الصاروخية وسفن الدورية في عرض البحر على مقربة من الساحل السوري وهي مكونة من 4-6 زوارق صاروخية مع سفينة قيادة و 3-4 حوامات ، وعدد من زوارق الدورية. وقد أبحرت هذه السفن باتجاه الساحل السوري ، ونفذت عملية خداعيةـ تضليلية تشير إلى توجه سفنها باتجاه ميناء طرطوس في الوقت الذي استهدفت فيه ميناء اللاذقية.

وفي الساعة 22.45 من يوم 6/10 فتحت ثلاثة زوارق إسرائيلية النار على زورق طوربيد سوري كان يقوم بمهمة الدورية بين رأس البسيط ورأس أندريا في قبرص ، في الموقع 280 درجة على مسافة 30ميلاً من اللاذقية ، وأدى ذلك إلى تدمير الزورق بعد أن خاض معركة مع الزوارق الثلاثة وأعلم مقر قيادة القوى البحرية السورية، وكان لهذا الإعلام أهمية كبيرة في إعادة نشر المجموعات الصاروخية الضاربة .

وقد خاضت القوات البحرية السورية ثلاث معارك دفاعية أخرى الثانية بتاريخ 10-11/10 والثالثة بتاريخ 11/12/10، والرابعة بتاريخ 23-24/10، كبدت فيها البحرية الإسرائيلية عدة خسائر رصدت رادارياً.

لقد اكتسبت المعارك البحرية السورية – الإسرائيلية في حرب تشرين التحريرية أهمية كبيرة لدى القوى البحرية في دول العالم لعدة اعتبارات منها:

حصول معارك بين زوارق الصواريخ للمرة الأولى في تاريخ الصراع البحري، حيث أن زوارق الصواريخ مخصصة أساساً لضرب الأهداف البحرية الكبيرة والمتوسطة.

استخدمت البحرية الإسرائيلية لأول مرة ضمن تشكيلات الزوارق الصاروخية حوامات قتالية تحملها الزوارق الصاروخية ، وأدى عمل هذه الحوامات إلى ظهورها على شاشات الرادار كأهداف بحرية، مما أحدث خللاً لدى البحرية السورية في توزيع الأهداف وعدم الدقة في تحديد الإحداثيات .هذا بالإضافة إلى الدور الذي قامت به هذه الحوامات في الاستطلاع والإنذار المبكر خارج الأفق الراداري، وضرب منشآت اقتصادية على الساحل .

أدى استخدام وسائط الحرب الإلكترونية بشكل فعال على متن الزوارق الصاروخية الإسرائيلية إلى التشويش على الرادارات وعلى رؤوس التوجيه الذاتي الرادارية للصواريخ، بالإضافة إلى إظهار أهداف رادارية خداعية قرب الساحل السوري وداخل الخليج، مما استدعى استهلاكاً كبيراً للمدفعية الساحلية من دون جدوى.

لقد واجهت البحرية السورية جوانب القوة في البحرية الإسرائيلية بتدابير دفاعية جيدة حيث قامت بتقريب الخط الدفاعي البحري على الشاطئ ، والاقتصاد في زج القطع البحرية، وتكليف الضباط والمهندسين بالعمل شخصياً على شاشات رادار الكشف السطحي وبأعمال المراقبة البصرية لتدقيق معطيات الموقف.

7- التدخل الدولي في الحرب والتوصل إلى قرار وقف إطلاق النار رقم338:

عرض الاتحاد السوفييتي، في الساعات الأولى لبدء الحرب ومن خلال سفيريه في دمشق والقاهرة ، جهوده السياسية على سورية ومصر لإيقاف القتال، ووقف إلى جانب مطلبهما القاضي بأن أي بحث في مسألة وقف إطلاق النار يشترط بالضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران سنة 1967 . أما الولايات المتحدة فقد وقفت إلى جانب إسرائيل في مطلبها القاضي بعودة القوات السورية والمصرية المهاجمة إلى المواقع التي كانت تتواجد فيها قبل بداية الحرب كشرط للبحث في مسألة وقف القتال ، وقد أدى هذا التعارض الحاد في مواقف الطرفين إلى انفضاض جلسة مجلس الأمن الدولي التي عقدت في التاسع من تشرين الأول من دون التوصل إلى قرار ، وإلى استمرار الحرب في ظروف مواصلة كلّ من الدولتين إمداد الطرف الذي تؤيده بالأسلحة والأعتدة .

بدأ الجسر البحري والجوي السوفييتي اعتباراً من 10/10 بتوريد الأسلحة والعتاد إلى سورية ومصر ، واستمر حتى نهاية الحرب. وقد استعاضت سورية بموجبه 1047 دبابة من الأنواع ( ت 54 – ت 55 – ت 62 ) ، مع 350 ناقلة مدرعة، و300 مجموعة صواريخ كوبرا م/ط ، و 212 قاذفة صواريخ مالوتكا على عربة جيب، و 170 قاذفة صواريخ مالوتكا من دون عربة، و 30 مدفعاً مضاداً للدبابات106 ملم ، و 160 مدفع هاون 82 ، وكل الطائرات التي سقطت خلال القتال (حوالي 150 طائرة). كما استعاضت مصر خسائرها أيضاً ، وقد قامت الطائرات الروسية “أنتونوف” بـ 900 رحلة جوية نقلت فيها 15 ألف طن من الأسلحة والعتاد، قاطعة مسافة ألفي ميل في كل رحلة عبر الأجواء اليوغسلافية والتركية .

وفي إسرائيل باشرت طائرات شركة “العال” بنقل العتاد والأسلحة الأمريكية منذ الثامن من تشرين الأول ، و بلغ مجموع ما نقلته 4500 طناً من مختلف الأنواع، كما باشرت الطائرات الأمريكية العملاقة (C-5) و (C-141) اعتباراً من 11/10 بنقل الأسلحة والعتاد الأمريكي ، وفي مقدمتها الذخائر المضادة لشبكة الدفاع الجوي في سورية ومصر (صواريخ شرايك) ، وخزانات البالونات الحرارية الجاذبة لصواريخ الدفاع الجوي، وصواريخ مضادة للدبابات حديثة من نوع “تاو” ذات الفاعلية الكبيرة في دقة الإصابة ، وقامت بنحو 566 رحلة نقلت فيها 23395 طناً من الأسلحة والأعتدة ، قاطعة مسافة سبعة آلاف ميل في كل رحلة ، هذا بالإضافة إلى 24 طائرة فانتوم “ف-4ي” قادها طيارون أمريكيون مباشرة إلى إسرائيل .

وفي 19/10 طلبت مصر من القيادة السوفييتية التدخل لوقف إطلاق النار على خلفية عبور القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية للقناة من ثغرة الدفرسوار وتطوير هجومها بقوى فرقتين مدرعتين إلى عمق حوالي 20 كم .

وفي صباح 21/10 أرسل الرئيس السادات برقية إلى الرئيس الأسد أعلمه فيها بخطورة الموقف،وكان نص البرقية كما يلي :

“إلى السيد الرئيس حافظ الأسد.

يتطور الموقف بصورة خطيرة على جبهتنا ، اتضح لي في العشرة أيام الأخيرة أنني أحارب أمريكا ولا أستطيع أن أتحمل المسؤولية التاريخية لتدمير قواتي مرة أخرى ، لذلك أخطرت روسيا بقبولي وقف القتال على الخطوط الحالية بالشروط التالية :

1ـ ضمان روسيا وأمريكا لانسحاب “إسرائيل” كما عرضت روسيا .

2ـ بدء مؤتمر سلام في الأمم المتحدة وعقد تسوية شاملة كما عرضت روسيا .

إن قلبي ليقطر دماً وأنا أخطرك بهذا ولكن مسؤوليتي تحتم علي اتخاذ هذا القرار، ولسوف أواجه أمتنا في الوقت المناسب لكي يحاسبني الشعب”.

فأجابه الرئيس حافظ الأسد ببرقية هذا نصها :

“تلقيت برقيتكم وكانت مؤثرة للغاية .

أخي الرئيس، حاولت بعد وصول برقيتكم أن أمعن النظر مرة أخرى في الموقف العسكري على الجبهة الغربية وعلى ضفتي القنال، وخرجت باستنتاج وهو أن الوضع لا يدعو إلى التشاؤم ، وأنه بالإمكان أن يستمر الصراع مع القوات المعادية، سواء منها تلك التي اجتازت القناة أم تلك الموجودة أمام قواتنا على الضفة الشرقية ، ويمكن أن يؤدي استمرار الأعمال القتالية وتطورها إلى تدمير القوات المعادية التي عبرت القنال .

أخي الرئيس، قد يكون من الضروري رفع معنويات إخواننا العسكريين، فمجرد خرق العدو للجبهة لايعني أن النصر أصبح حليفه ، فقد خرق الجبهة الشمالية منذ أيام ولكن الصمود المستمر والقتال العنيف في الخطوط والمواقع المختلفة يوفر لنا مزيداً من التفاؤل يوماً بعد يوم ، فقد أوقفنا الخرق عند مواقع معينة وأنا واثق أننا سنستعيد منطقة الخرق خلال الأيام المقبلة ، وفي تقديري أن المهم بالنسبة لنا جميعاً أن تصمد جيوشنا بمعنويات عالية .

أخي الرئيس، لا يخامرني شك في أنك تثق بي وتثق أنني أتكلم بروح المسؤولية فقط ، سيما ونحن نجتاز أكثر اللحظات دقة وحرجاً.

ومن هنا كان علي أن أرسل لكم رأيي بعد أن فكرت جيداً في الأمر وبعد أن أعدت تدقيق الموقف العسكري العام وعلى الجبهة الغربية بشكل خاص .

ختاماً تحياتي وتمنياتي لك بالتوفيق وكان الله معنا في معركتنا التي نخوض”.

وصل “كيسنجر” إلى موسكو في العشرين من تشرين الأول، بناء على طلب القادة السوفييت ، وبعد دراسة الموقف اتفق الطرفان على وضع نص القرار الخاص بوقف إطلاق النار ، حيث عُرض على مجلس الأمن بتاريخ 22/10، وصدر برقم 338 محدداً الساعة 18.52 من ذلك التاريخ كتوقيت لنفاذ مفعول وقف إطلاق النار (الملحق رقم3-جـ). وقد قبلت سورية بهذا القرار عل أساس فهمها له “بأنه يرتكز على الانسحاب الكامل من الأراضي التي احتلت في عام 1967 ، وعلى استعادة الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني”.

لم تلتزم إسرائيل بتنفيذ وقف إطلاق النار وتابعت قواتها في صباح 23/10 قتالها، متحركة مسافة 30-40كم باتجاه مدينة السويس في الضفة الغربية للقناة ، الأمر الذي جعل مجلس الأمن يصدر القرار 339 في 23/10 ، مؤكداً قراره السابق.

وقد اعتبر هذا القرار ساري المفعول في الساعة الخامسة من صباح 24/10/1973. ومع ذلك لم تتوقف محاولات القوات الإسرائيلية لاقتحام مدينة السويس بغية التوصل إلى فرض شروط استسلام على الجيش الثالث ، الأمر الذي دعا مصر إلى أن تطلب من مجلس الأمن في الساعة 7.00 من يوم 24/10 بأن يرسل قوة عسكرية سوفييتية ـ أمريكية إلى الشرق الأوسط من أجل تأمين تنفيذ قراراته بوقف إطلاق النار ، وعلى الفور رفضت الولايات المتحدة وأعلنت حالة التأهب في صفوف قواتها المسلحة ، وفي صباح 25/10 أعلن “كيسنجر” بحزم ” أن الولايات المتحدة لن تسمح باستغلال سياسة التعايش بين الكتلتين كي تسيطر إحدى الدولتين العظميين على الشرق الأوسط”، وقد استوعب السوفييت هذا التهديد الأمريكي والذي جاء على أثره استنفار القوات النووية الأمريكية في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط ، بما في ذلك القوات البحرية الأمريكية في البحر المتوسط والمحيط الهادي ، فوافقت كلتا الدولتين في 25/10 على تأسيس قوة طوارئ دولية تشكل حاجزاً يفصل بين قوات الطرفين المتحاربين ، كما وافق مجلس الأمن على طلب الولايات المتحدة القاضي بعدم ضم جنود من الدولتين العظميين إلى قوات الطوارئ الدولية. وأدى اتفاق الدولتين على هذا الإجراء إلى تخفيف حده التوتر بينهما ، وإنهاء حالة التأهب في القوات المسلحة الأمريكية وفي فرق الكوماندوس السوفييتية السبع التي أعلن أنها كانت جاهزة للإقلاع إلى مصر .

إن إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن استنفار قواتها المسلحة ، بما في ذلك قوتها النووية ، في 24/10/1973، ومن دون إعلام مسبق لحلفائها الأوربيين ، وذلك لمواجهة خطر التدخل السوفييتي لصالح العرب في الحرب ، قدم الدليل على المدى الذي يمكن أن تخاطر فيه الولايات المتحدة الأمريكية من أجل ضمان مصالحها في الشرق الأوسط ، وضمان أمن إسرائيل والحفاظ على تفوقها العسكري. ومثل هذا الموقف، مضافاً إليه فتح مخازن المستودعات الأمريكية للجيش الإسرائيلي، يجعلنا نتوصل إلى استنتاج حول المدى الذي يمكن أن تذهب إليه الولايات المتحدة الأمريكية في دعمها لإسرائيل.

8- خوض حرب الاستنزاف على الجبهة السورية واتفاقية فصل القوات عام1974:

بعد صدور قراري مجلس الأمن رقم 338 ورقم 339 توقف إطلاق النار بين القوات على كلا الجبهتين المصرية والسورية ماعدا بعض الاشتباكات المحددة ، وبخاصة في الضفة الغربية لقناة السويس ، حيث حاولت وحدات كلا الطرفين تحسين مواقعها القتالية ، وقد انتقل مركز النشاط بشكل عام من الميدان العسكري إلى الميدان السياسي. وفي هذا الميدان الجديد بدت الولايات المتحدة في مركز الثقل نظراً لشبكة علاقاتها الخاصة مع إسرائيل ولعودة العلاقات بينها وبين كل من مصر وسورية. وقد استهدف النشاط السياسي الأمريكي في تلك المرحلة ترسيخ وقف إطلاق النار ، وتوقيع اتفاقية عسكرية لفصل القوات ، حيث تؤدي هذه الاتفاقات إلى تقليص احتمالات استخدام الضغوط العسكرية ضد إسرائيل عند الانتقال إلى مرحلة المفاوضات السياسية .

وتطبيقاً للقرار 338 دعت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى انعقاد مؤتمر جنيف للسلام خلال شهر كانون الأول عام 1973 ، وفي 21/12/1973 انعقدت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر بحضور كلّ من مصر والأردن وإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق. ومثّل هيئة الأمم المتحدة سكرتيرها العام “كورت فالدهايم” ، الذي قام بافتتاح الجلسة. أما سورية فلم تحضر الجلسة الافتتاحية ، إذ اشترطت أن تلتزم إسرائيل مسبقاً بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وباحترام حقوق الشعب العربي الفلسطيني .

وخلال الجلسة الافتتاحية تم الاتفاق على قيام لجان عسكرية بين مصر وإسرائيل لبحث مسألة فصل القوات ، وأُجّلت اجتماعات المجلس ، منذ ذلك الحين، إلى موعد لاحق .

وفي 26/12/1973 اجتمعت اللجنة العسكرية المصرية ـ الإسرائيلية في جنيف ، واستمرت الاجتماعات حتى 9/1/1974 من دون أن تسفر عن نتائج تذكر، وقد أدى تعثر المناقشات إلى ارتفاع حدة الاشتباكات على الجبهة ، إلى درجة أخذت خطوط القتال تتحول إلى ما يشبه حرب الاستنـزاف ، فجاء “كسينجر”، وزير الخارجية الأمريكي ، وتنقل بين القاهرة وتل أبيب لمدة أسبوع نجح في نهايتها في سد الثغرة التي تفصل بين الطرفين ، وتوصل إلى صيغة اتفاق نص على “أن حكومتي مصر وإسرائيل ، بمساعدة حكومة الولايات المتحدة ، وطبقاً لقرار مؤتمر جنيف ، قد توصلتا إلى اتفاق لفك الاشتباك والفصل بين قواتهما المسلحة ، مع التمسك بوقف إطلاق النار ، وإيقاف جميع الأعمال العسكرية وشبه العسكرية في البر والبحر والجو”، وحدّد الاتفاق الخطوط التي تنسحب إليها القوات الإسرائيلية (مسافة
20-30كم شرق القناة) ، ومنطقة الفصل بين الجانبين التي ترابط فيها الأمم المتحدة (بعرض 5-8كم) ، كما تضمن توقيتات فك الاشتباك ، بحيث تنتهي خلال فترة لا تتجاوز 40 يوماً. وقد وقع على الاتفاق في 28/1/1974 في خيمة الكيلو متر 101 على طريق القاهرة ـ السويس كلّ من اللواء عبد الغني الجمسي، رئيس أركان القوات المسلحة المصرية، والجنرال “دافيد إليعازر” رئيس أركان الجيش الإسرائيلي.

أما على اتجاه الجولان فما أن تقرر تأجيل جلسات مؤتمر جنيف إلى موعد لاحق لم يحدد تاريخه آنذاك ، حتى كان ذلك مؤشراً لسورية بأنها سوف تواجه تعنتاً إسرائيلياً في المباحثات العسكرية لفصل القوات ، وقد تأكدت من ذلك وهي ترقب المباحثات المصرية ـ الإسرائيلية. وفي مواجهة هذا الموقف قرر القائد الأسد خوض حرب استنـزاف ضد إسرائيل بعد أن تكون القوات السورية قد وفرت المتطلبات الضرورية لذلك.

وبعد شهر واحد من وقف إطلاق النار بدأت الاشتباكات المسلحة بمبادرة القوات السورية ، ووفق خطة محددة*، وحافظت على وتيرتها الابتدائية في شهر كانون الأول عام 1973 ، وكانون الثاني عام 1974. وخلال هذين الشهرين كانت جميع التشكيلات السورية قد أنهت مشاريع التدريب على الرمي الحقيقي ، وأخذت مكانها في خط الجبهة ، وأصبحت جاهزة لرفع وتيرة الاشتباكات ، فانتقلت الاشتباكات من مستوى الرمي المباشر بالأسلحة الخفيفة وأسلحة الدبابات ومدفعية الهاون ، إلى مستوى الرمايات الثقيلة. وبسبب ارتفاع حدة الاشتباكات على طول الجبهة في مطلع شهر آذار توقعت القيادة الإسرائيلية قيام القوات السورية بشن هجوم شامل ، فاستنفرت جميع قواتها في 7 آذار 1974 ، واستدعت جزءاً كبيراً من الاحتياط ، واستمرت الاشتباكات خلال هذا الشهر بصورة شبه يومية مع استخدام جميع أنواع الأسلحة. وفي شهر نيسان تركزت الاشتباكات في منطقة جبل الشيخ وترافقت بغارات محكمة للوحدات الخاصة ضد وحدات العدو التي احتلت قمة الحرمون ، وتبادل الطرفان السيطرة على القمة عدة مرات ، ودمرت الوحدات الخاصة في إحدى الغارات وحدة دبابات إسرائيلية وأسرت طاقمها ، وتطورت العمليات إلى اشتباكات جوية واسعة فوق المنطقة تكررت عدة مرات خلال هذا الشهر .

وفي 2 أيار 1974 قدم “كيسنجر” إلى دمشق في محاولة جديدة لوقف الاشتباكات والوصول إلى اتفاق لفصل القوات. وبعد عدة جولات مكوكية بين إسرائيل وسورية ، رافقتها اشتباكات واسعة ، رضخت إسرائيل إلى طلب سورية بانسحاب القوات الإسرائيلية من الجيب الذي احتلته ومن مدينة القنيطرة ، وفي تاريخ 31 أيار عام 1974 وقّع على اتفاق فصل القوات العسكرية بين الطرفين في جنيف كلّ من العميد عدنان طيارة عن سورية ، والجنرال “هرتزل شابير” عن إسرائيل ، وقد تضمن اتفاق فض الاشتباك منطقةً لفصل القوات يتراوح عرضها بين 500 م و 4كم تعمل فيها قوات طوارئ دولية (أندوف) ، ومنطقة لتقليص القوات والأسلحة بالتوازي على كلا جانبي منطقة الفصل كما هو مبين في المخطط أدناه ، وهذا الاتفاق هو اتفاق ذو طابع عسكري بحت.

وفي فترة انسحاب القوات الإسرائيلية من الجيب المحتل ارتكبت القيادة الإسرائيلية جريمة تاريخية إنسانية باتخاذها قرار تدمير مدينة القنيطرة وهي فارغة من سكانها كي لا يعود سكانها لها. وقد أدانت هيئة الأمم المتحدة هذه الجريمة في قرارها رقم 3740 تاريخ 29/11/1974.

9- أهم النتائج التي أسفرت عنها حرب تشرين التحريرية عام1973:

كان لحرب تشرين عدد كبير من النتائج الإيجابية نذكر منها :

1ـالنصر المعنوي، ليس بالنسبة للمقاتلين الذين شاركوا فيها فقط وإنما بالنسبة للإنسان العربي الذي عانى حالة من الإحباط نتيجة هزيمة حزيران عام 1967. وقد عبّر القائد الأسد عن هذا النصر أبلغ تعبير بقوله”انتصاراتنا كبيرة، لم نحرر الأرض وإنما حررنا إرادتنا من كل قيد، حررنا إرادتنا في القتال من أجل حياة شريفة كريمة، وحررنا نفوسنا من الخوف والتردد واللامبالاة، وحررنا نفوسنا من عقدة الذنب والقصور طالما أننا في السابق ومنذ قيام إسرائيل لم نحارب كما يجب أن نحارب، حررنا صورتنا الحقيقية من كل مالحق بها منزيف وتشويه، فأصبحت الصورة التي تؤكد قدرتنا على استيعاب المعارك واستخدامها، الصورة التي تؤكد قدرتنا الكبيرة في مجال العلم واستثمار معطياته ونتائجه، الصورة التي تؤكد أن في أمتنا مواهب كثيرة وكبيرة ، الصورة التي تؤكد أننا نؤمن بالحق ، وندافع بقوة عما نؤمن به ، الصورة التي تؤكد أننا نرفض التخاذل ولا مكان بيننا للجبناء، الصورة التي تؤكد أننا أصحاب تراث ، ونحرص ونستطيع أن نجسد ونتمثل هذا التراث ، الصورة التي تؤكد أن إيماننا بوطننا لا تحده حدود، وفي سبيل هذه الأمة وهذا الوطن نقدم كل تضحية مهما بلغت التضحيات، الصورة التي تؤكد أن أمتنا أمة خيرة معطاءة تعمل من أجل الخير وتدافع بعنف ضد كل مظاهر الشر .

حررنا صورتنا الحقيقية من كل مالحق بها من زيف وتشويه ، فأصبحت الصورة التي تجسد كل الفداء وكل التضحية وكل البطولة ” .

2ـتحرير جزء من الأراضي المحتلة : ففي الجولان كانت مدينة القنيطرة المعلم البارز، وفي سيناء كانت قناة السويس ذلك المعلم، وإن عدم تحقيق كامل الأهداف التي شُنّت الحرب من أجلها لا يقلل من أهمية إنجازاتها .

3ـ أصبحت قضية الشعب العربي الفلسطينينتيجة هذه الحرب أكثر وضوحاً على المستوى الدولي، وتعززت مكانة منظمة التحرير الفلسطينية ومثّلت بصفة مراقب في هيئة الأمم المتحدة، واضطرت إسرائيل للتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية شعب لا كقضية لاجئين .

4ـ أظهرت حرب تشرينأهمية وفاعلية التضامن العربي وإمكانية حشد الطاقات العربية في ظل شعار “قومية المعركة”، الأمر الذي جعل من الأمن القومي العربي مطلباً واقعياً ممكن التحقيق .

5ـ أحدثت حرب تشرين التحريريةهزة كبيرة في البنية النفسية الاجتماعيةـ السياسية للمجتمع الإسرائيلي وصفها عدة باحثين إسرائيليين بأنها أشبه بزلزال ، فالخسائر الكبيرة التي تكبدوها في هذه الحرب والتي وصلت، بحسب المعطيات الإسرائيلية، بالأفراد إلى حوالي ثلاثة آلاف قتيل منهم 600 ضابط ، وإلى حوالي 20 ألف جريح ، وبالعتاد إلى حوالي ألف دبابة وأكثر من مئة طائرة ، كانت بمثابة دليل واقعي للإسرائيليين على أن مشروع إسرائيل الكبرى أكبر بكثير من إمكانياتهم الفعلية ، لذا أخذوا يفكرون بحجمهم الحقيقي في المنطقة ، الأمر الذي جعل العديد من مفكريهم يتوصلون إلى نتيجةمفادها أن “حرب يوم الغفران أحدثت انكساراً في المشروع الصهيوني” .

6ـ عززت هذه الحرب موقع العربفي ميدان العمل السياسي الدولي كمجموعة سياسية تنشد السلام العادل وتملك إمكانيات تحقيقه .

7ـ جعلت هذه الحرب الدولتين الكبيرتينالولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي السابق، والتي وصل بهما التدخل في المنطقة إلى درجة الاستنفار النووي واحتمال استخدام القوات العسكرية ، تقرران العمل سوية لإيجاد حل سلمي قائم على تطبيق قراري مجلس الأمن رقم 242 و 338 ولكن هذا الحل لم ينجز حتى الآن.

10- أهم العبر المستقاة من هذه الحرب:

1- أكدت هذه الحرب من خلال التجربة العملية صحة النظرية التي استند إليها القائد حافظ الأسد في الإعداد للحرب وخوضها وبخاصة في الجوانب التالية:

‌أ- الحشد المسبق لطاقة الشعب البشرية والاقتصادية والمعنوية كون ساحة الحرب أصبحت تشمل كامل مساحة الوطن، وجميع سكانه وبنيته التحتية، كما أن خيار الحرب أصبح يتطلب توازناً عسكرياً مع العدو في جميع جوانب القوة عدداً وعدة ومعنويات، وأن يبنى هذا التوازن دفاعياً بالدرجة الأولى وهجومياً في الدرجة الثانية.

‌ب-أثبتت هذه الحرب صحة مبدأ “قومية المعركة” لأننا كما قال القائد حافظ الأسد: “شعب واحد ولأن الأرض المحتلة هي لأكثر من قطر عربي، ويجب الاستفادة من الطاقات العربية العسكرية والاقتصادية والسياسية، ومن جغرافية المعركة المتمثلة في الأراضي العربية المحيطة بإسرائيل”.

‌ج- أثبتت هذه الحرب ضرورة وجود حليف دولي لسورية لتأمين متطلبات المعركة من السلاح والذخائر والعتاد قبل بدء الحرب وخلالها وبعدها، ولموازنة قوة العدو السياسية في المحافل الدولية، حيث أظهرت هذه الحرب دعم الاتحاد السوفييتي للعرب ودعم الولايات المتحدة الكامل لإسرائيل إلى درجة الاستعداد لخوض الحرب إلى جانبها.

‌د- ضرورة بناء قوات مسلحة نظامية قادرة على خوض الحرب وتحقيق النصر بما يتطلبه هذا البناء من نظرية قتالية، وروح معنوية، وبنية تنظيمية، وتسليح مناسب، وتأمينات قتالية، ومسرح عمليات محضر مسبقاً.

2- أثبتت هذه الحرب قدرة إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة على عزل وتحييد الجبهات العربية مع إسرائيل عن بعضها بعضاً سواءً أثناء خوض الحرب أو بعد توقفها، الأمر الذي يجب أخذه بعين الاعتبار عند الإعداد والتخطيط للحرب.

لقد أظهرت خطط حرب تشرين التحريرية فكراً عربياً مبدعاً في التخطيط الاستراتيجي للحرب ، إذ قدرت القيادتان السورية والمصرية الموقف السياسي الدولي والإقليمي بشكل صحيح ، وتعرفتا إلى مكامن القوة والضعف في البنية العسكرية والاجتماعية والسياسية لإسرائيل ، وأعدتا الردود المناسبة على ذلك ، وبنتا قوات مسلحة حديثة التسليح والتشكيل ، وجهزتا مسرح عمليات الحرب ، كما أعدتا أجهزة الدولة وهيّأتا الشعب لخوض الحرب ، وحدث كل ذلك للمرة الأولى في تاريخ العرب الحديث .

لقد ظهر الجندي العربي خلال المعركة بصورته الحقيقية شجاعاً قادراً على استخدام آلة الحرب الحديثة، محباً لأمته، مضحياً في سبيلها .

وبدت في هذه الحرب دلائل عملية على وحدة الأمة العربية في الإرادة والمشاعر والرغبات والآمال والأهداف ، وعلى امتلاكها طاقة هائلة عسكرية وبشرية واقتصادية قادرة على تحقيق النصر إذا ما استخدمت بشكل صحيح ، كما بدا شعار التضامن العربي وقومية المعركة شعاراً واقعياً من أجل التحرير الكامل للأرض وتحقيق الأمن القومي وبناء الوحدة .

لقد قوّمت حرب تشرين على أنها تجربة ثمينة وغنية في تاريخ حركات التحرر، وشعبنا المضحي المعطاء هو الذي دفع ثمن هذه التجربة ، و دروسها وعبرها رصيد كبير لشعبنا ولقواتنا المسلحة ، وباستيعابها نحصّن الوطن من الأخطار المحتملة ، ونستكمل تحرير باقي الأراضي المحتلة. وفي هذا السياق تحملأهميةً خاصة عملية الربط بين المعركة العسكرية والمعركة السياسية، تلك التي نبه إليها السيد الرئيس حافظ الأسد بقوله : “لا يمكن بأي شكل أو بأي تحليل فصل معركتنا السياسية عن معركتنا العسكرية ، لأن الأولى جاءت وليدة الثانية ، وهي متلازمة معها ومعتمدة عليها ، ولقد حققنا بصمودنا في المعركة العسكرية نتائج مجيدة حطمت كل الأساطير التي نسجها العدو من حوله ، ونحن قادرون أيضاً بالصمود والثقة بالنفس والتماسك القوي في الجبهة الداخلية ، وبالتلاحم المتين مع أمتنا العربية، أن نحقق النجاح في المعركة السياسية ، ونجاحنا في هذه المعركة يكون إما ببلوغ الأهداف التي قاتلنا من أجلها ، وإما بالقول لا بإباء وشمم إذا واجهنا تلاعباً أو مراوغة أو تهرباً من تطبيق قرار مجلس الأمن حسبما فهمناه”.

ومع مرور الأيام تبرز حرب تشرين التحريرية بوصفها المنارة التي ستظل تهتدي بها الأمة العربية في سعيها لتحقيق أهدافها في تحرير الأراضي العربية المحتلة واستعادة الحقوق المغتصبة، وبناء السلام العادل والشامل في المنطقة.

رابعاً : خاتمة:

جاءت حرب تشرين التحريرية استجابة لإرادة ولرغبات وآمال الأمة العربية باستعادة الأراضي التي احتلت والكرامة التي هدرت في عدوان حزيران عام 1967، ولكونها حرباً عادلة أوضحت طبيعتها الكلمة التي وجهها الرئيس حافظ الأسد في السادس من تشرين والتي جاء فيها “لسنا هواة قتل وتدمير وإنما ندفع عن أنفسنا القتل والتدمير، لسنا معتدين ولم نكن قط معتدين، نحن لا نريد الموت لأحد، وإنما ندفع الموت عن شعبنا، إننا نعشق الحرية ونريدها لنا ولغيرنا، وندافع اليوم كي ينعم شعبنا بالحرية، نحن دعاة سلام ونعمل من أجل السلام لشعبنا ولكل شعوب العالم، وندافع اليوم من أجل أن نعيش بسلام”، فقد وقفت شعوب العالم إلى جانب العرب الذين رفعوا شعار السلام العادل على أساس تطبيق قرارات الشرعية الدولة.

لقد أظهرت خطط حرب تشرين فكراً عربياً مبدعاً في التخطيط الاستراتيجي للحرب، إذ قدرت القيادة السورية والمصرية الموقف السياسي الدولي والإقليمي بشكل صحيح، وتعرفت إلى مكامن القوة والضعف في البنية العسكرية – الاجتماعية – السياسية لإسرائيل، وأعدت الردود المناسبة على ذلك، وبنت قوات مسلحة حديثة التسليح والتشكيل، وأعدت مسرح عمليات الحرب، كما أعدت أجهزة الدولة وهيئات الشعب لخوض الحرب، وحدث كل ذلك للمرة الأولى في تاريخ العرب الحديث.

لقد ظهر الجندي العربي خلال المعركة بصورته الحقيقية شجاعاً قادراً على استخدام آلة الحرب الحديثة، محباً لأمته، مضحياً في سبيلها.

وقدت حرب تشرين التحريرية الدليل العملي على وحدة الأمة العربية في الإرادة والمشاعر والرغبات والآمال والأهداف، وعلى امتلاكها طاقة هائلة عسكرية وبشرية واقتصادية قادرة على تحقيق النصر إذا ما استخدمت بشكل صحيح، كما بدا شعار التضامن العربي وقومية المعركة شعاراً واقعياً على طريق التحرير.

لقد قومت حرب تشرين بأنها تجربة ثمينة وغنية في تاريخ العلم العسكري، وشعبنا المضحي المعطاء هو الذي دفع ثمن هذه التجربة، لذا فإن دروسها وعبرها هي رصيد كبير لقواتنا المسلحة، ومن حق شعبنا علينا أن نستوعب هذه الدروس والعبر، وأن نكافح في سبيل إزالة الصعوبات التي نشأت والأخطاء التي وقعت، كي نحصن الوطن من الأخطار المحتملة، ونبني للجيل الحاضر وللأجيال المقبلة الأمل في تحقيق النصر الكامل، سيما وإن إسرائيل ما تزال تعلن على الملأ أنها تعمل لتحقيق التفوق العسكري النوعي على العرب، وتزعم أن لها حقاً تاريخياً في أرضنا العربية.

لقد كانت سورية عبر تاريخها القديم والحديث قاطرة العمل العربي ضد الاستعمار حيث كانت في طليعة الدول العربية التي حصلت على استقلالها، والتي ظلت في حالة حرب مع العدو الإسرائيلي حتى الآن، وما الحرب التي تخوضها الآن ضد الإرهاب سوى التعبير الحقيقي من محاولة الأعداء القضاء على هذه القاطرة القومية من خلال تجزئتها إلى دويلات أو فيدراليات متناحرة على أساس أثني وطائفي وأمل شعبنا كبير بالخروج قريباً من هذه المحنة وترسيخ الوحدة الوطنية والتمسك بالهوية السورية الجامعة وتحقيق النصر في هذه الحرب ضد الإرهاب بقيادة الرئيس بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية.

خامساً: الملاحق:

ملحق رقم1: التطور الكمي للقوى البشرية في القوات المسلحة السورية بين الحربين (1967-1973).
ملحق رقم2: التطور الكمي للعتاد القتالي في القوات المسلحة السورية بين الحربين (1967-1973).
ملحق رقم3: مساهمة القوات العربية في الحرب.
ملحق رقم4: خطة هجوم القوات السورية لتحرير هضبة الجولان.
ملحق رقم5:موقف القوات الإسرائيلية في الجولان عند بدء الحرب 6/10/1973.
ملحق رقم6: الخط الذي وصلت إليه القوات السورية المهاجمة ليلة7-8/10/1973.
ملحق رقم7: احتواء الخرق الإسرائيلي في القطاع الشمالي من جبهة الجولان والاستعداد لتوجيه الضربة المعاكسة في الفترة من 11-10 -22/10/1973.
ملحق رقم (3)

مساهمة القوات العربية في الحرب

أولاً: القوات العربية التي وصلت إلى سورية وشاركت في احتواء العدو في الجيب المحتل:

من العراق:

– 2 فرقة مدرعة + وحدات خاصة /ل جبلي+ 2/ب مقاتل قاذف.

من الأردن:

– 2 ل مدرع.

من السعودية:

– فوج مدرع + فوج مشاة + فوج مظليين + فوج ق105 + بطارية مدفعية 155 + سرية هاون+ 2سرية م/د106 + بطارية 40ملم م/ط+ وحدات خدمة.

من الكويت:

– ك د “فيكرز”+ كتيبة ناقلات مدرعة+ سرية استطلاع+ س ها 120ملم+ سرية م/ط+ سرية ق155ملم+ كتيبة م/ط20ملم + فصيلة مغاوير.

من المغرب:

– فوج مدرع (تجريدة) ساهم بالحرب من بدايتها.

ثانياً: القوات العربية التي وصلت إلى مصر:

– من ليبيا: ل مدرع مع 2 سرب ميراج.

– من العراق : 24 طائرة + 35 طيار ( 2 سرب هوكر هنتر)

– من الجزائر: سرب ميغ21+ سرب سوخوي+ لواء مدرع.

– من المغرب: لواء مشاة.

– من تونس: كتيبة مشاة.

– من السودان: لواء مشاة.

– من الكويت: كتيبة مشاة.

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي الطليعة نيوز

شاهد أيضاً

بدء وصول الوفود المشاركة في مؤتمر «الحرية والمواطنة» إلى القاهرة

  بدأت الوفود المشاركة في مؤتمر «الحرية والمواطنة.. التنوع والتكامل» العالمي، الذي يعقده الأزهر الشريف …