ما أريده من رئيسي

مشاهدة
أخر تحديث : الجمعة 30 مارس 2018 - 11:35 مساءً
ما أريده من رئيسي

كتب :عادل نعمان

يردد البعض بصوت خافت أن الفترة القادمة وهى فترة انتصار الشعب لرئيسه، وانتصار الرئيس لشعبه، ستشهد تضييقا على حرية الرأى والفكر، تحت دعوى سرعة البناء والإنجاز، والتفرغ دون معوقات ونقاشات لا طائل لها من استكمال وتحقيق باقى المشروعات والإنشاءات، وهى الحرية التى يراها هذا البعض معطلة وعائقا يعوق مسيرة التنمية، وليست فى أوانها، وأن تحقيق الرخاء والتنمية حق يسبق كل الحقوق، والحقوق تتدرج من أسفل إلى أعلى، أولى درجاتها هى حق لقمة العيش، يليها حق الأمن والأمان للوطن وللمواطن , وتتدرج حتى تصل إلى حق حرية الفكر والرأى، وهى ترف للخاصة يستحق التأجيل حتى يستوفى العامة حقوقهم الضرورية، وهذه قولة حق يراد بها باطل، فنحن منذ أكثر من ستين عاما، ننتظر على حافة السلم وأول درجة فيه لم نرتقها بعد، وما زلنا نرقص عندها، ولم نصل بعد إلى منتصفه. ولا أظن أن الرئيس يغيب عن خاطره هذا السلم المكسور، ودرجاته المتهالكة منذ سنين، ولا أظن أيضا أنه مقتنع بهذا التسلسل وهذا التدريج، حتى يؤجل حقا على حساب حق آخر، فالحقوق تسير متساوية ومتوازية، قد تتقدم واحدة على الأخرى، لكنها لا تخرج عن الصف، ولا يتخلف حق عن مسيرة باقى الحقوق، فمن يتخلف عنها لا يلحق يوما بإخوته.

ما هو الحل؟ وماذا تريد من رئيس تؤيده وتنتخبه؟ الحل وما أريده، هو بناء سياسى حقيقى، كتلة صماء صلبة ومتماسكة فى مواجهة هذه الكتلة المنظمة الصخرية، القادرة على الخروج بإشارة واحدة من أصبع المرشد، أو الإمام تحرك المجتمع فى اتجاه دون غيره، وهى كتلة الإسلام السياسى مجتمعا، المعتدل فى تطرفه والمتطرف فى اعتداله، كلهم جميعا صناعة واحدة، وبضاعة مصدرها ومنشؤها واحد، ونفس وزفير يخرج على نغمة ورنة واحدة. ولم يكن فى تاريخنا الحديث كتلة صلبة وقوية ومتماسكة كهذه الكتلة الإسلامية التى أقامها على معتقد دينى، ورفع بنيانها تراث متواتر، وعمرها وشطبها فقه موروث، وتحفهم أموال الوهابية التى لم تنقطع عنهم يوما، ولم يظهر فى مواجهة هذه الكتلة للأسف سوى أبنية سياسية هشة ومهلهلة، بدأت منذ حقبة الخمسينيات، وقامت هذه الكتل على فكر ومزاج ومذهب الرئيس فقط، إلى اليسار فى العهد الناصرى حين كان فكر الرئيس يساريا، وإلى اليمين فى عهد السادات حين كان فكر الرئيس يمينيا، وإلى الوسط فى عهد مبارك حين كان فكر الرئيس وسطيا، حتى سيطر عليه أصحاب المصالح والأعمال والمنتفعون، كل هذه الكتل قد انهارت حين هُزم الرئيس، وتلاشت حين قُتل الرئيس، وتبرأ منه الجميع حين حوكم الرئيس، وقد كان منوطا بهم جميعا الدفاع عنهم مقابل ما تمتعوا به من مزاياهم ومنافعهم، إلا أن البناء الفاسد سرعان ما ينهار إذا تصدع البناء أو مال قليلا، كل هذه الكتل التى كانت من صناعة الزعماء والرؤساء، مقاتلة شرسة عن مصالحها ومنافعها، وليست فى قتال دفاعا عن مصالح الشعب ومنافعه، فلما قدرت لها الأقدار الدفاع عن أفكارها وبرامجها ومكاسب شعبها انهارت، وهربت وتركت رئيسها يواجه مصيره وحده منفردا. أما والتاريخ قد بدأ مرة أخرى فى استنساخ ما مضى، ويعيد علينا ما برئنا وتطهرنا منه، وتحاصرنا من كل اتجاه كتلة الإسلام السياسى العمياء الخرساء، فنحن مع ثقتنا فى قدرة الرئيس وأمانته وشرفه ونقاء يديه، نأمل أن يعفينا فى الفترة القادمة من هذه الوجوه، وأن يرحمنا من هذا المصير المهلك، وأن يقيم البناء السياسى بأركانه الثلاثة «شعب وحزب ودولة»، وأضلاعه الثلاثة المتساوية والمتكافئة والمتعادلة، تتوازن المصالح وتتعادل، وتتبادل الآراء دون حجر، ويعتلى منابر الأحزاب قيادات شابة واعية رشيدة بعيدة عن تأثير الأمن وضغوطه، برامج حزبية مدروسة، حرية الدعوة للأحزاب وعقد المؤتمرات والندوات، هذا البناء السياسى هو الذى يفرز لنا فى نهاية كل دورة رئاسية أكثر من مرشح، وأكثر من برنامج يختار منهم الشعب رئيسه، هذا البناء السليم يعفينا من حرج البحث عن مرشح فى دفاترنا القديمة وربما لا نجد له عنوانا، ويعفينا من ضغط الاختيار وقبول المتاح أو المسموح. وأصدقكم القول إن هذه المرحلة وجدنا فيها من نركن إليه، ونرمى حمولنا على كتفيه، ونلقيها على أعتاب بيته، لكن ما هو الحل فى نهاية الدورة القادمة؟ من نركن إليه؟ ومن نرمى حمولنا على كتفيه؟ وأين لنا من أعتابه؟ لقد كانت هذه صناعة الأنظمة السابقة بامتياز، فلا تكاد الدورة الرئاسية تنتهى حتى نجد أنفسنا متورطين ومسحوبين إلى نظام مرفوض، قُل عنه دون حرج «زواج عانس»، أو لحم ميتة من الهلاك، أو قليل من خمر لا يسكر من العطش، وكلها إن لم تكن حراما فهى مكروهة.

هذا أول مطلب من السيد الرئيس وأنا أثق فى صدقه، وأراهن على ذلك، وعلى يقين بعلمه أن هذا البناء هو أهم بناء، ولا يسبق هذا الإنجاز إنجاز أعظم منه، وأعلم أنه مهموم بهذا، وأعلم أيضا أنه سيدخل التاريخ من أوسع أبوابه إذا رفع عن كاهلنا هذا الهم، وهذا العناء، وواجه هذه الكتلة الصلبة بكتلة أصلب وأقوى منها، بدلا من هذه الكتلة التى يمكن أن تنهار كما انهارت من قبل مثيلاتها فى غفلة من الزمن، ولا ضمان لنا سوى بناء كيانات سياسية حرة مستقلة، بعيدة عن سطوة الدولة من ناحية، وسطوة المال والمنافع والمصالح من ناحية أخرى، ونكون بذلك قد سلِمنا وسلِم معنا الجميع

رابط مختصر

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة الطليعة الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.