بين الذكاء والحكمه .. والغباء والنقمة

محمود يحيي 66  66

________________________
بقلم الدكتور / محموديحيى سالم
_______________________

الغباء ( عدوى اللدود ) وادعاء الذكاء يثير اشمئزازى ( لانه الغباء بعينه ) فان من يظن انه اذكى الناس فهو اغبى الناس … … والقرب من الاغبياء يصيبنى بالتقزز ….
والانسان الذكى يحتاج الى ( اليات ) ووسائل تؤهله لممارسة ذكائه .. اول هذه الاليات ( الحكمه ) .. ولكن .. ولكن !!!!!!!!!!!!!!!!!!!
الحكمه تأتى فقط من السماء ، تأتى من رب السماء والارض على شكل ( هبه ) – ( منحه ) – ( عطاء ) – ( رزق ) …. و ما أكثر النصوص القرآنية و الاحاديث النبوية الشريفة التي تذكر الحكمة و تدل
على قوة واهمية منزلتها …
يقول الله عز و جل في كتابه العزيز : (( و شددنا ملكه و آتيناه الحكمة و فصل
الخطاب )) سورة ص ٢٠
و يقول سبحانه : (( و لقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله )) سورة لقمان ١٢
و في الحديث الشريف ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ضمني النبي صلى
الله عليه و سلم إلى صدره و قال: (( اللهم علمه الحكمة )) . رواه البخاري
و في حديث آخر ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله
عليه و سلم قال : (( لا حسد إلا في اثنتين : رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في
الحق ، و رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها و يعلمها )) . رواه البخاري
____________________________________________________
اذن الذكاء يحتاج الى حكمه … وللحكمة ( شروط ) وايضا للحكمه علامات تدل على الحكيم … فليس كل من استشعر انه حكيم فهو بالفعل حكيم …
ولعل المفكر العظيم الاستاذ الاديب الرائع ( نبيل احمد ) فى الكتاب الذى اعده وتناول فيه بعض المأثورات من مدرسة الحياه وكان يحمل عنوان يتعلق بالحكمه ….. قد استفاض وشرح معانى الحكمه بشكل رائع فى مقدمة كتابه الذى تأثرت جدا بمضمونه فى حياتى العمليه .. . ويختلف عن ماتعلمناه من اساتذة الفلسفه والحكمه … .. ان دراستنا لتاريخ الحكماء والفلاسفه والعباقرة يؤكد لنا الان ان مانحن فيه وعليه وبين هذه البشريه هو قمة قمم الغباء وان العالم بغبائه فى طريقه الى الفناء ….
السلوكيات – اسلوب الحياه – اسلوب التفكير – اسلوب العمل – ادارة العمل – ادارة الشعوب – التربيه – التعليم – الممارسه السياسيه – الاعلام – اسلوب القياده …….. الخ … الخ … الخ
لذلك اجمل شيئ فى مثل هذه المواقف ان تتدعى انك غبيا ان كنت ذكيا … ثم تشاهد .. تمتع ياعزيزى الذكى الحكيم .. تمتع بمشاهدة السيرك البشرى اليومى .. تمتع بكوميديا الغباء … واياك وان تكشف حقيقة ذكائك وحكمتك والا سيقال عنك ( مجنون ) .. وبلغة العصر سيقال ( عنده جزء ضارب ) .. او ( مخه لاسع ) …. الخ
اما اليات ووسائل الحكمه ومن هو الحكيم فهى على النحو التالى كما تعلمنا من اساتذتنا الكبار
_________________________________________________

الحكمة نمو دائم ، فالمزج الفاعل بين الذكاء و الخبرة و الإرادة يجعل مفهومات
الحكيم في نوع من الحركة الدائبة ، مفهوم يكبر ، و آخر يضمر ، و نقط تزداد
تفصيلاً ، و أخرى تزداد تركيزاً ، أفكار جديدة لديه تفقد بريقها بسرعة ، و أفكار قديمة
تنبعث حية لتخط خطاً جديداً …
هذه الوضعية تجعل الحكيم في حالة من التألق الدائم ، وهذا التألق قد يفُسر لدى الكثيرين
على أنه تناقض و اضطراب ، على حين أنه نوع من الاستجابة الناجحة للمرونة الذهنية
العالية ، والروافد الثقافية الثرية ، والإرادة الحرة الصلبة ، لكن كل ذلك يأخذ سمة التغير
لا التبدل .
إيثار الآجل على العاجل ، و الدائم على الآني ، و ما يمليه ذلك من مواقف
والتزامات : أكبر سمة من سمات (الحكيم) ، و الشرائع السماوية كلها جاءت توجه
الناس نحو هذه الفضيلة ، لكن إغراءات المنافع والملذات العاجلة صرفت جلّ الناس عن
. الاستجابة (( كَلا بلْ تحبون العاجلة . و تَذَرون الآخِرةَ )) سورة القيامة : ٢١ ، ٢٠
و عدم تحقق هذه الفضيلة في حياة كثير من الناس ، سببه : ضعف في الخبرة ، أو
ضعف في الإرادة ، أو فيهما معاً ، و الحكمة تجعل الحكيم في منأى عنهما .
و موقف الحكيم هنا يثير لدى الناس الدهشة ؛ حيث يجدونه زاهداً معرضاً عما يتقاتلون
عليه ، و ربما اتهموه بالعجز أو الكسل أو القصور ، وهو في الوقت نفسه يضحك في
داخله من جهادهم في غير عدو و محاولات قبضهم على السراب !!
داخل الحكيم ساحة موارة بالحركة و النشاط ، فهو لا يكفّ أبداً عن عمليات
المقارنة ، و الموازنة ، و التحليل ، و التركيب ، و الاستنتاج ، و التشذيب ، و
الإضافة ، إنها أمواج وتيارات في أعماق المحيط ، أما السطح فإنه هادئ تعلوه السكينة
والوقار .
إن من ملامح الأذكياء سرعة البديهة ، وإطلاق الأحكام ، وسرعة تشكيل المواقف ، لكن
الحكيم طراز آخر من الناس ، فهو بطيء في تكوين معتقداته ، وصياغة مقولاته ، إذ إنه
يملك قدرة خاصة على ضرب كل أشكال المعرفة والخبرة في بعضها بعضاً ، ليخرج في
النهاية بزبدة تتميز عنها جميعاً ، لكنها منها جميعاً !
و يفسر بعض الناس ذلك بالعي والحصر ، لكن الأيام تثبت أن مقولات الحكماء هي بنات
عواصف فكرية و شعورية هائلة ، لكنها غير منظورة !
من أهم تجليات الحكمة : إدراك حجوم القضايا على وجهها الصحيح ؛ فالحكيم يرى
الأشياء الكبيرة كبيرة ، كما يرى القضايا الصغيرة صغيرة كما هي ، و تقدير القضايا
بصورة صحيحة من أخطر المشكلات التي ظلت تواجه البشر على مدار التاريخ ، وهل
دمرت الحضارات إلا من وراء مشكلات وأخطاء ظنها الناس تافهة ، فإذا هي عواصف
هوجاء تأتي على كل ما تمر عليه !
الحكيم : رجل يرى ما قبل اللحظة الراهنة ، و يستشرف ما بعدها ، وهو لا يرى نسقاً أو
نظاماً من التداعيات الترابطية ، لكنه يرى أنساقاً و نظماً تتوازى ، وتتقاطع ، وتتصادم
إنه يحس بالعاصفة قبل هبوبها ، فيحذر قومه و ينذرهم . كلنا نرى القضايا بحجمها
الحقيقي ، لكن بعد فوات الأوان ! ، و بعد أن نكتوي بنارها ، و تفوتنا فرصها الذهبية ،
لكن الحكيم يأتي في الوقت المناسب ، كما قال سفيان الثوري: (( إذا أدبرت الفتنة عرفها
كل الناس ، و إذا أقبلت لم يعرفها إلا العالم )) !
العالم (الحكيم) الذي وصفناه ، أما أهل الاختصاص ، الذين أذهبوا العمر في تفتيق
المعرفة حول شيء بالغ الصغر ، أو حول (لا شئ) : فهؤلاء جنود التقدم العلمي ، لكن
حظوظهم من إشراقات الحكماء محدودة للغاية !

ترتفع درجة المرارة في داخلنا على مقدار فقدنا للحكمة ؛ و النزق و البرم الذي
نبديه حول كل ما لا يعجبنا سببه جهلنا بالأسباب و الجذور و السنن و طبائع الأشياء
ومنطق سيرورتها . أما الحكيم : فإن مرارته لا تنبع من مفاجآت الأحداث و فواجعها،
وإنما من غفلة الناس و استخفافهم بالمواعظ التي ألقيت عليهم ، و نبهتهم إلى النهايات
المحتومة التي يندفعون إليها دون أي حساب أو تقدير لفداحة الخطب الذي سيواجهونه.
إن الآلام التي نشعر بها عند ظهور بعض النتائج تكون مكافئة في العادة للمسرات التي
عشناها يوم كانت (عقولنا مستريحة) و مشاعرنا غارقة في عالم الملذات و الأوهام !

______________________________________________________
وكثير من الحكماء والاذكياء فى نظر الناس ( اعصابهم فى حالة غير مستقرة نتيجة ماتراه العين وتسمعه الاذن ) من المحيطين بهم … وفى الواقع العكس صحيح لان معظمهم يهرب الى دنيا الصوفيه والتصوف تقربا لله عز وجل وتهربا من سلوكيات الاخرين من الاغبياء … ومعظم اهل التصوف من الاذكياء والحكماء .. ومايثير الدهشه ان البعض يراهم مصابون بخلل نفسى والبعض يراهم اهل تهور واندفاع واهل غضب وعنف … خاصة ان معظم الحكماء والاذكياء لديهم فكرة وفهم لعلم الاصوات والانفعال التمثيلى .. بمعنى انك قد تفاجيئ باحدهم وهو يصرخ غاضبا بصوت مرتفع جدا وقد تشعر انه قد يصاب بانهيار عصبى او ازمه قلبيه .. بينما فى الواقع هو يقوم باداء معيين ليصل اليك مراده ولكى يسيطر على الموقف لصالحه وهو فى الحقيقة وبداخله يشعر بسعاده بالغه لان ذكائه وحكمته قد سخرت من غبائك ….. ومعظم الحكماء والاذكياء لايبدو عليهم السن الحقيقى لهم ومعظمهم دائما يبدو وكأنه شاب صغير .. فهو بحكمته وذكائه يستطيع تفعيل نظام صحى جيد جدا واسلوب حياة يومى يجعله دائما فى حالة شباب وحيويه ونشاط ووسامه واناقه …. ويسبق عطرهم خطواتهم دليل على اهتمامهم بالمظهر العام والشكل الخارجى لهم ولايؤثر فى صحتهم انفعالهم التمثيلى وغضبهم ( المصطنع ) وهذا نوع من الحكمة والذكاء .. وايضا سعيهم فى ان يكونوا ( مميزين بين الناس ) بخفة الظل وروح الدعابه … هم ايضا اهل تسامح وعفو .. فتجد منهم على سبيل المثال من يغضب من شخص ما وقد تشعر انه اصبح من اشد اعدائه الا انك تفاجيئ بانه سعى للتصالح والسلم فى نفس اليوم وربما فى نفس اللحظه … وهذا هو قمة قمم الانتقام من الحكماء والاذكياء من الاغبياء الذين لايعلمون كل هذا عن الذكاء والحكمه …
ومن ذكائهم وحكمتهم ايضا .. زهدهم فى المال والمناصب والجاه والسلطان .. فقط يهتمون بمظهرهم الخارجى وبالعلم والثقافه فمعظمهم غزير العلم ويجيد معظمهم لغات حيه كثيرة ..وقد ابحر معظمهم فى علم الاديان وعلم الاجتماع ليستطيعوا التعايش مع الاخر بكل فهم ووعى وذكاء ….

———————————————————————————–
فى الحلقة القادمه نتحدث عن اشهر الحكماء واشهر الاذكياء فى العالم …. ايضا نشرح للقارئ العزيز كيف يصبح المرء حكيما وذكيا … وسنتحدث عن اهل الصوفيه والتصوف ….
سنتحدث عن ارسطو – سقراط – ابن رشد – ابن سينا – ورحلة افلاطون وصعابها ………….
تحياتى وتقديرى
______________________________
كتبه دكتور / محمود يحيى سالم
تم نقله الى كافة الصفحات والمواقع بمعرفة / دينا نصار
تم نقله الى الميديا بشكل عام بمعرفة الاعلامى : عمرو عبد الرحمن
عدسة / البير حداد
ترجمته الى الصفحة الانجليزيه / نيفين سوريال

(Visited 5 times, 1 visits today)

شاهد أيضاً

ائتلاف امل مصر يبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة بكافة القطاعات استعداد للانتخابات .

ائتلاف امل مصر يبدأ عملية إعادة هيكلة شاملة بكافة القطاعات استعداد للانتخابات .